بعد مرور عامين على رحلة طفلي من الصمت للكلام أصبحت صديقة للصمت، ذلك الصمت الذي ينشده عالم ممتلئ بألسنة تذبح وتمثل بالجثث باستخدام حروف، وكلمات تنطلق في الهواء مثل طلقة طائشة؛ فتصيب قلب الضحية ثم تطرحه أرضًا غارقًا في الدماء.

ربما عزز تقديري للصمت انتهائي مؤخرًا من قراءة كتاب مذكرات شارلي شابلن رائد السينما الصامتة والكوميديان الشهير، والسينما الصامتة يا عزيزي هي الأفلام التي تقوم على الصورة فقط بدون أصوات، مثل الحوار وضجيج غلق الأبواب والباعة والعربات وخلافه، وبالرغم من أن الأفلام كانت صامتة في البداية بسبب عدم تطور تقنية دمج الصوت مع الصورة، إلا إنها تميزت بقدرتها على عبور الحدود وكسر حاجز اللغة، وكذلك إمكانية عرض جرعة إبداعية مكثفة من خلال تحويل الأفكار لمواقف مرئية.

 

يعتبر شابلن من أشهر علامات السينما الصامتة حيث أشتهر بشخصية الصعلوك الذي تمتزج مواقفه الكوميدية مع التراجيدية في تشابه مدهش مع حياته الحقيقية الذي ذكرها في بداية المذكرات، تلك الحياة التي بدأت بفقر شديد وصل حد دخوله الملجأ، حتى فتحت له أبواب النجاح والشهرة في أمريكا.

 

ولعل من العجيب أن السبب الرئيس وراء متاعب الفنان الصامت في أمريكا قبل هجرته منها هو أنه تخلى عن صمته و”تكلم” بصراحة في مناسبة سياسية، كذلك استوقفني كيف اختار الاستمرار في تقديم أفلام صامتة بالرغم من انتهاء حجة صمت السينما بظهور تقنية الصوت.

 

ثم أخذني عالم السينما الصامتة الاختياري لشارلي شابلن لعالم الصمت الإجباري للصم والبكم، خاصة بعد مشاهدة فيلم “بارفي” وهو فيلم هندي حديث إنتاج عام 2012 ، وعلى عكس الأفلام الهندية المعروفة فقد جاء الفيلم خاليًا من الأغاني بسبب صمت البطل، وتم استبدالها برقص فلكلوري وموسيقى تصويرية خلابة.

يحكي الفيلم عن قصة حياة “بارفي” الفتى الفقير الذي وُلد لا يسمع ولا يتكلم لكنه اشتهر في المنطقة التي وُلد ونشأ بها بسبب خفة دمه ومزاحه الدائم، إنه يجذبك جذبًا في اتجاه الشاشة لتشاهده وهو يتقدم لحبيبته “شروتي” التي رفضته وخضعت لضغوط المجتمع وتزوجت العريس الجاهز.

ثم يغرقك في ضحكات متواصلة وهو يحاول سرقة بنك لعلاج والده، وتتوالى الأحداث بينه وبين “جيلميل” صديقة طفولته المصابة بالتوحد، والذي قام باختطافها لأخذ فدية من جدها لعلاج والده، وبعدما توفي الأب حاول أن يطلق سراحها، ولكنها رفضت أن تعود لأهلها وبقيت مع بارفي حتى نمت بينهما قصة حب انتهت بزواجهما الذي استمر حتى وصلا لنهاية العمر معًا.

 

لا تقلق يا عزيزي فلن أحاول تقليب المواجع بالمقارنة، ولن أسأل لماذا إذا تم الزج بأصحاب الاحتياجات الخاصة في أي عمل فني مصري فإن الدور يكون هامشيًّا، وإن كان غير ذلك فيحاط في الغالب بغلاف بائس حزين لا يعكس الحياة الطبيعية المليئة بلحظات الصعود والهبوط كأي حياة لأي إنسان عادي، فضلاً عن عدم عرض صورة أو نموذج إيجابي ومشرق لذوي الاحتياجات الخاصة كثيرًا ما يتواجد بالفعل في الواقع، كما لن أخدعك وأخبرك إنني لا أحلم بعودة السينما الصامتة من جديد.

وفي هذا الإطار تحديدًا حاولت متابعة الأعمال الفنية أو حتى نوع الإعلام المعروض لهذه الفئة الصامتة فهالني ما وجدت، فعلى سبيل المثال عندما أجلس مع طفلي لمشاهدة مسلسل كارتوني لا أدري ماذا يمكن أن يفهمه طفل أصم من حلقات مدبلجة غير موجهة له على الإطلاق؟ قناة والثانية والثالثة فالجميع هكذا، ذهبت لقنوات الأفلام والمسلسلات وحتى الإعلانات ولا أمل، وجدت فقط مربع متناهي الصغر خاص بلغة الإشارة في بعض البرامج الإخبارية والبرامج الكئيبة نوعا مًا.

وهكذا تقلصت أحلامي من وجود سينما إنسانية صامتة خالية من الألفاظ الخادشة والسيناريوهات والحبكات الدرامية الركيكة إلى مجرد أمنية بتكبير مربع لغة الإشارة في برنامج “حزايني” تحسبًا لأن يكون المتحدث بلغة الإشارة نظره ضعيف لا قدر الله.

يمكنك أيضًا ملاحظة إنني لم أتحدث عن ضرورة وجود متخصص في لغة الإشارة في المصالح الحكومية والمستشفيات… إلخ، حتى لا أعكر صفو السادة المسؤولين بلغة غير مسموعة لا تخصهم، كما إنني لم أفصح عما يدور في خيالي الذي يذهب لعالم موازٍ ليرى تليفزيون لا يبث سوى برامج بلغة الإشارة فيجلس مستمتعًا بانتهاء عصر برامج التوك شو المسموعة المسببة للصداع والغثيان أحيانًا.

 

والآن بعد ما تركتني مذكرات شارلي شابلن وفيلم بارفي في حالة من الصمت الجميل التي تذكرني بجملة “انطق جمالاً أو تجمل بالسكوت”، وجدت نفسي عاجزة عن اقتباس أي جملة أو مشهد مؤثر من الكتاب والفيلم لأني لم أر فيهما ما يستحق الاقتباس أكثر من الصمت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد