وأنا أتابع إحدى حلقات برنامج «?Fake or Fortune» الذي تنتجه محطّة BBC الإعلامية والمهتم بالبحث عن أصل اللوحات الفنية، تاريخها، وأصحابها الحقيقين عن طريق استعمال التقنية الحديثة. توقفت عند قصة أحد أشهر وأذكى المزورين في القرن العشرين (هان فان ميغرين).

لم يدر في خلد هذا الهولاندي الذي درس العمَارة ليدعها ويتجه إلى تدريس الفنون والعمل على محاكاة لوحات القرن السابع عشر، أن قدره سيجمعه في صفحات التاريخ مع أحد أعتى عتاة النازية، والرجل الثاني المرشح لخلافة هتلر (هيرمان غورينغ).

Embed from Getty Images

كان هيرمان غورينغ مولعًا بجمع اللوحات الفنية الثمينة، ومن بين تلك اللوحات التي كان يباهي بها لوحة (المسيح والخاطئة – Christ with the Adulteress) للفنان الهولندي يوهانس فيرمير أحد أكبر فناني القرن السابع عشر.

بعد هزيمة النازيين أمام الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) تم العثور على العديد من اللوحات الفنية المسروقة من كبريات متاحف هذه الدول، والتي تعد بمثابة ثروات وطنية يعاقب بالخيانة كل من تسبب في تهريبها؛ من بين هذه اللوحات كانت لوحة فيرمير تلك.

لم يكن الأمر صعبًا فيما بعد للوصول إلى ميغرين، والقبض عليه، وإدانته بالخيانة العظمى. في ذلك الحين لم يكن أمام ميغرين إلا أن يبوح بالسر الذي احتفظ به لسنوات، والذي سيكون بمثابة الصدمة ليس فقط للحكومة الهولندية، والقائمين على المتحف، أو النقاد الفنيين، ولكن لهيرمان غورينغ نفسه.

ذلك السر هو أن ميغرين لم يقم بتهريب أي لوحة كان هو من رسمها فحسب، وقد استطاع أن يثبت لهم ذلك عمليًا برسمه لآخر لوحاته المزورة أمام أعين القضاة.

Embed from Getty Images

حين وصولي لهذا الجزء من القصة، كنت أفكر كيف سيكون حال القائد العسكري غورينغ، وهل سيمثل مثل هذا الخبر شيئا بالنسبة له وهو الذي فقد سطوة الحكم وليس أمامه وحبل المشنقة الكثير؛ لكن كاتب سيرته اختصر عليّ الكثير:

«بالرغم من كل تلك الحروب التي تسبب فيها، ورغم كل تلك الجرائم التي ملأت تاريخه، لكنه بدا وكأنه اكتشف لأول مرة وجود الشر في هذه الحياة».

لم تكن هذه اللوحة الوحيدة التي زورها ميغرين، كما أنه لم يكن مستاء من فعل ذلك، بل كان يعتبر نفسه فنًّانًا عبقريًّا، وأن أعماله تستحق التقدير، لأنَّه لم يكن يرى فارقا بين أن تكون تلك اللوحات أصليَة أو مُزَورة ما دام أنَّه استطاع أن يجعل الأمرين متساويين في أعين النقاد أنفسهم.

لم يحاكم ميغرين بعدها بالخيانة العظمى، لكن تمت محاكمته بتهمة التزوير والاحتيال، غير أنه توفي قبل ذلك إثر سكتة قلبية ليخلد في ذاكرة الهولنديين كبطل قومي استطاع أن يَقهر أحد عتاة النازية. كان مما قاله ميغرين في محاكمته أنَّ لوحاته هذه ستفقد الآن قيمتها وسيقل ثمنها لكنها لم تتغيّر، فمالذي تغيّر؟!

هنا تنتهي القصة لكن سؤال ميغرين هذا سيضعنا أمام سؤال مهم وجوهري. لماذا يحب النَّاس الأصل في حين يزدرون كل ما هو مقلد؟ لماذا ينافس النَّاس من أجل الحصول على الماركات الأصلية في حين يحتقرون النسخ المقلدة رغم أنَّ كفاءتهما وجودتهما قد تكون متساوية؟

في إحدى محاضراته على منصة  TED Talks يجيب عالم النفس الأمريكي Paul Bloom على هذا التساؤل، ويرى أن الأمر وإن بدى في إحدى جوانبه أنَّه يعبر عن مادية البشر ورغبتهم في اكتساب حظوة اجتماعية في أوساطهم؛ على أساس أن كل ما هو أصلي نادر، لكن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى أن البشر، إلى حد ما، ولدوا «جوهريين».

لا أزعم أني أفهم كثيرا ماذا كان يقصد بول من استعماله لكلمة جوهريين لكن بلا ريب هو يقصد شيئا خارجا عن نطاق الحواس لا دخل للبحث عن اللذة وتجنب الألم هنا.. هنا نحن نتحدث عن بعد آخر.

علي عزت له رأيه هو الآخر في هذه المسألة إذ يقول إن «نقيض الجمال ليس القبح، وإنما الزيف». هذه العبارة تجعلنا نفهم لحد كبير سبب شعور هيرمان غورينغ بالأسى وشعوره أن الظلم والشر الذي طاله من قبل ميغرين ليس أقل من الشر الذي تسبب به هو للعالم، كلاهما شارك بطريقة أو بأخرى في تزييف الحقيقة ومنعها أن ترى النور.

ما دام الأمر كذلك فإننا:

أمام كل تلك الاختيارات، دائما ما نبحث عن «كَيف الجَمال» وكل النسخ أمام ذلك قبيحة.

أمام كل تلك الاختيارات، دائما ما نبحث عن الحقيقة وكل ما عداها لا يعدو أن يكون زيفًا.

أمام كل تلك الاختيارت، لن نبحث دائما عن اللذة ولن نتجنب دائما الألم، ولن نقف دائما أمام حدود حواسنا الخمس سنتجاوزها لاريب لأننا بشر، ولأننا خلقنا جوهريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد