من منا لا يعرف قصة يوسف عليه السلام الواردة تفاصيلها في القرآن الكريم؟ ومن منا لا يعلم أن يوسف عليه السلام موصوف بالجمال، وأن جماله هو من تسبب له بالسجن بعدما راودته امرأة العزيز؟ ولكن من منا يستطيع أن يأتي بآية من القرآن تصف جمال يوسف كما وصفت أخلاق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والحقيقة لا توجد آية صريحة سوى ما قالته النسوة من وصفهن له عليه السلام بقوله تعالى: (مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ).

إذًا أين يكمن موضوع جماله؟

من سياق الآيات الكريمة نجد أن موضوع الافتتان هذا حصل مع نسوة من الطبقة الحاكمة والبرجوازية، وبطبيعة الحال فإن العبيد والخدم والموالي في مصر لم يكونوا من جنسيات بعيدة عن المنطقة، وهم من حدود المملكة، أما يوسف عليه السلام فأصوله ترجع إلى أرض وادي الرافدين (العراق)، وهذا ما أعطاه أفضلية من الناحية الجمالية على أهل مصر، فبشرة اهل المنطقة الداكنة ونظرة العين التي اعتادت على اللون الداكن ترى في يوسف جمالًا لا مثيل له، وهو ما أثّر على مزاجية امرأة العزيز لتحاول معه متنازلةً عن مكانتها ومقامها، ولتتحول غريزيًا من أم أرادت ان تتبنى يوسف عليه السلام في مرحلة صباه إلى مراهقة تحاول سد النقص في نفسيتها الفارغة.

لا توجد مشكلة في جمال يوسف عليه السلام، لأن جماله لم يفتن سوى نساء الطبقة المتعالية في المجتمع، ولم يذكر القرآن الكريم مثل هذه الحالة مع النساء الآخريات من الطبقات العامة، ولعل السبب الحقيقي من الانجذاب الى جماله هو مدى الفراغ نتيجة التشبع بالملذات، بل لم تتكرر هذه الحالة بعد خروجه من السجن وتوليه المنصب في دولة مصر.

والأكثر إثباتًا على أن جماله كان متناسبًا مع جمال آبائه ومن هم من نفس السلالة، هو عدم معرفة إخوته له، والذين لم يبغضوه لجماله الأخاذ، ولكنهم كانوا يغارون من حب أبيه له واهتمامه به أكثر منهم، فمسألة الجمال ليست هي الدرجة الأولى في قصة يوسف عليه السلام، ولا يعد هذا نفيًا لكونه جميلًا، ولكن ليس كما يتصور البعض بأن جماله فوق الطبيعي.

ما الهدف من ذكر جمال يوسف عليه السلام؟

ليس لجمال وسف عليه السلام أي ضرورة لا لكونها آيةً أو برهانًا أو حجةً، فإعجازه الظاهر هو تفسيره للرؤية بشكل دقيق ومهاراته في إدارة الموارد والنجاح في خلاص مصر من سنوات القحط والموت. في الحقيقة إن اهداف سورة يوسف عليه
السلام منقسمة إلى عدة أوجه، وأحدها هو الاهتمام بظواهر تحدث في المجتمع وداخل الأسرة، وتحاول تسليط الضوء على سلبيات تؤثر بشكل واضح على سلوكيات الأفراد، ومنها كيفية السيطرة على العواطف لعدم إيجاد الحقد بين الأبناء، ونشوب النزاعات التي تؤدي إلى ارتكاب الجريمة، وأيضًا توضح حال التنعم والبرجوازية الزائدة عن حدودها وأثرها في تدمير قابليات الإنسان على مواجهة النفس وعدم الانجرار خلف ارتكاب الممنوعات، وأيضًا تبين أن الفرد مع مرور الزمن يتغير فكريًا ليزداد قوةً أو ضعفًا، لذلك لابد من مراعاة عدم الاختلاط بين أفراد المجتمع تحت عناوين وهمية مثل هذا مثل ابني أو أخي أو ابنتي أو أختي، فما بدأت به امرأة العزيز كان خلاف ما انتهت إليه.

ليست النساء هن المقصرات وسط هذا الدلال المفرط والعيش المبتذل، بل الرجال هم سبب حصول هذه الفوضى الاجتماعية، فهم أيضًا يعيشون في حياة مبتذلة أيضًا، وهم يندفعون إلى الجواري، وينشغلون معهن وبالعمل والمتاجرة والسفر مهملين النسوة في النعيم، حيث لا شغل لهن سوى تناقل الكلام والحديث بسيئات الأخريات وفضح بعضهن بعضًا، يشغلن وقتهن بالمكر والخديعة، فراغ قاتل وأداء معدوم لدور المرأة وسط تعطيل مهاراتها في خدمة المجتمع، وعلى الرجال الانتباه إلى مثل هذه المسائل، وأن لا يكونوا كالعزيز يعرف بخطأ زوجته، ثم لا يحرك ساكنًا سوى أن يلبي طلب زوجته في سجن المظلوم وصاحب الحق.

الله تعالى يريد منا أن نعيد النظر في سلوكياتنا الاجتماعية، وأن نفهم ما المراد من تلك القصص التي يذكرها لنا في كتابه، علينا أن نترك التركيز على الجانب الغريزي والإباحي وتحجيم المسألة في جمال يوسف عليه السلام تاركين التحليل والتمعن بمفردات القرآن وتتبع آياته، ولكن لا يعني ذلك أن نطعن ونكذب ونكفر ونعتدي على من يخالف أفكارنا، بل أن نبين ما لم يبينه غيرنا من مواضيع مدفونة خلف الكلمات والعبارات لتطرح على الساحة بهدوء لتكون نافعة لأبناء المجتمع.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد