العمل الفني بغض النظر عن المبدع والمتلقي والعملية الإبداعية هو مركز الفن، فهويته تتحدد بوجوده ذاته، فهو دائمًا يكشف عن نفسه، وكما يوجد في الصوفية هناك مركز، والباقي يدورون حوله، فالجميع يدورون لتجلي الجميل لدي العمل الفني باستمرار، وهذه الروعة المستمرة، والتي ليس لها سلطان غير تجلي ذواتها في جميل مستمر، يعطي للإبهار معنى، والعمل الفني يصبح متكشفًا بدون توقف، ولا ينتهي جماله بحد أو معنى فهو لا يحمل رسالة، وليس بها رمز محدد سلفًا لتحديد حده وجماله، ويقول هانز جادامر فلسوف التأويل الألماني في كتاب عن تجلي الجميل، «أن العمل الفني يظل يتحدث إلينا بطريقة فريدة باعتباره نفس العمل، فليس هناك حد له أو شيء آخر يتحدث غيره».

ولعل الصوفية حاضرة في العمل الفني وعلاقته بالمتلقي، فدائمًا يتعرض هانز جادامر لذلك بمصطلح الخبرة، فليس هناك منهج أو أشياء جاهزة يتناقلها الأشخاص لفهم العمل الفني وتذوق جماله، أو حتى ينقلها العمل الفني مرة واحدة للمتلقي، فيقول جادمر «إننا جميعًا نعرف من خبرتنا أن زيارة متحف ما، أو الاستماع إلى حفل، مهمة تتطلب نشاطًا روحيًا وعقليًا عميقًا، وباختلاف الأعمال الفنية، لا يغادر الشخص هذا التأثير الفني دون خبرة فنية أصيلة بما شاهده أو سمعه أو وصله عن طريق الإحساس، وعندها يصبح العالم أكثر إشراقًا وأخف ظلًا، ويشير هانز جادمر وفقًا لهذه الخبرة أن العمل الفني يترك للشخص الذي يستجيب له منطقة حرة معينة، يملؤها بنفسه، هذه المساحة تعطي دورًا للمتلقي، يتحاور فيه مع العمل الفني باستمرار.

وأيضًا علاقة العمل الفني بالمتلقي لهي علاقة باطنية عصيرة صوفية، فيشير جادامر أن العمل الفني يعلن التحدي أمام المتلقي لكي يفهمه، وهذا الفهم والتحدي هو ما يؤكد هوية العمل الفني، بدونه ليس هناك عمل فني، هذا التحدي لهو علاقة دائمة بين العمل الفني والمتلقي، لا يتوقف، وفي كل مرة هناك شكل جديد من التحدي فهوية العمل تعيش في حالة التباين والاختلاف، وهناك خبرة جديدة للمتلقي بتحدي جديد، ولذا يشير جادامر الي مفهوم الإحباط، حيث هذه الصفة تلازم من يصغي إلى العمل الفني، فهو يحبط في كل مرة من الرهبة الجمالية المتجددة في العمل، فهو يقول لنفسه «إن العمل لا يقول له شيئًا هذه المرة، أو أنه سينبهر مرة أخرى، ولكن تأتي توقعات المتلقي عكس ما يجده في العمل».

وما بين التكشف الدائم للعمل الفني والخبرة، يؤكد جادامر على فكرة الحيوية الدائمة والحضور الواضح، لدي العمل الفني، فالعمل الفني دائما يخاطبنا، يتحدث إلينا، فهو في حالة تحدي معنا، وهويته تتأكد بذلك، فحيوية العمل الفني بالتكشف وتحديه لنا هي ما يؤكد العمل الفني، وتأكيده على وجوده ويقول جادامر «إن عملية التلقي والخبرة الأصلية بالعمل الفني ما يمكن أن توجد فقط بالنسبة للشخص الذي يشارك في اللعب، أي الذي يستعرض العمل علي نحو فعال بنفسه».

وينظر جادمر لمفهوم اللعب الإنساني بنظرة واسعة روحانية، بأنها مجال للمشاركة والتفاعل والاستمرار، والارتباط بفائض النشاط لدي الإنساني، وأنه محاولات دائمة لاحتواء الإنسان وحضوره، ويعطي لها بعدًا إنسانيا فهو لديه وظيفة كبيرة وأولية لحياة الإنسان، فيقول جادامر «إن الحضارة لا يمكن تصورها بدون هذا العنصر المهم، وقد ربطها بالطقوس الدينية، وهنا يتجلي مفهوم اللعب كبعد صوفي للإنسان، يتحرر فيه الفرد من جدية الحياة، ويتحد مع الوجود ومشاركة الآخرين فعل يساعد في احتواء روحه ووجوده، وقد أشار إلى حرية فعل اللعب، وأنه بلا هدف، مشيرًا إلى فكرة أرسطو عن أن الحركة الذاتية هي ما تميز الموجودات الحية، ما يكون حيًا ينطوي في باطنه على مصدر حركته».

ويقول جادامر «إن اللعب هو حركة ذاتية لا تسعي إلى تحقيق أية غاية أو غرص خاص، يبدو شبيهًا إلى حد كبير بالحركة من حيث هي حركة». والواقع أن هذا هو بالظبط ما نشاهده في الطبيعة في لعب البعوض، فاللعب يكشف عن ظاهرة فائض النشاط، أي ظاهرة تمثيل ذاتي حي، وهذا التوصيف من جادمر للعب يربطنا بالبعد الصوفي وحركته، التي لا تعتبر غرضية، ولا توجد جدية في الأمر، وتجعل المشاهد لفعل التصوف مشاركًا في هذا الأمر كما هو الحال في فعل اللعب، وبالرغم من ذلك هنا حالة من العقلانية اللاغرضية لفعل اللعب الإنساني، ويشارك المشاهد في اللعب، فيقول جادامر «إنه إذا كان المشاهد يتابع اللعب، فإن هذا لا يعني شيئًا آخر سوى المشاركة، أي مشاركة باطنية في هذه الحركة المتكررة»، وهنا يظهر البعد الصوفي والروحاني بهذه التعبيرات لفعل المشاركة في اللعب، كما أيضا هناك بعد روحاني لفعل اللعب نفسه، حيث يقول جادمر «إن اللعب يكون في النهاية بمثابة تمثل الذات لحركتها الخاصة في اللعب، وأيضًا أن يصبح اللاعب مشاركًا ومشاهدًا لنفسه في فعل اللعب».

ويلاحظ تأثر جادامر بفعل الكينونة وأن الانسان يوجد في الوجود لدى هيدجر الذي يشير إلى الوجود الأصيل والوجود المزيف، فالأصيل يسعي دائمًا لإيجاد كينونته الأصلية أو أصالته، وذلك بالتحاور مع الأشياء وإثبات الكينونة للكائن الحي، هذا الحوار يجعل الأمر أشبه بحالة احتفالية مستمرة متكشفة وحوار وتواصل مستمر بين العمل الفني والمتلقي، وأيضًا ذلك في فعل اللعب الذي يشرح به العمل الفني.

ويقول جادامر «للتأكيد على مشاركة المتفرج في اللعب، أو بمعنى آخر، مشاركة المتلقي في العمل الفني، أن المتفرج وليس اللاعب هو الذي تلعب فيه اللعبة، فهناك تغيير للأدوار، حيث يصبح المتلقي بديلًا عن المبدع للفهم والمشاركة في العمل الفني»، حيث يقول جادامر «لم تعد الطريقة التي يشاركون فيها اللعبة تحددها حقيقة أنهم مستغرقون في اللعبة تمامًا، ولكن تحددها حقيقة أنهم يلعبون أدوارهم فيما يتعلق بمجمل اللعبة، اللعبة التي لا يستغرقون هم فيها، إنما المتلقي هو الذي يستغرق فيها». ويصبح هنا اللعب ينطوي على معنى يفهم، ويمكن أن يفصل عن سلوك اللاعب.

وهذا الدور للمتلقي أو اللاعب يجعل العمل الفني متكشفًا دائمًا، وليس هناك سلطة للمتلقي للاستحواذ على فهم العمل الفني، والسيطرة عليه بفهم دائم، وليس هناك سلطة للعمل الفني على المتلقي، حيث يكون له دور مشارك فعال، وهذا ما تؤكده فكرة الخبرة المعاشة، التي تتضمن تواصلًا دائمًا، وعلاقة تحاور، واستمرارًا بين العمل الفني والمتلقي، وأيضًا فكرة التكشف في العمل الفني تعني الاستمرارية في العلاقة بين الفن والمتلقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد