تحكي رواية “المِسْبَحة The Rosary”، قصة شاب ثري فنان مفتون بالجمال، اسمه “دال”. وقد عَزَف عن الزواج على كثرة معارفه من النساء الحسان، لأنه لم يجد بينهن الزوجة “المثالية”، التي تجسد الجمال في عيني الفنان.

وتمضي الرواية في سرد الأحداث، حتى تتبين لـ “دال” الزوجةُ المثاليةُ متجسدةً في صورة الآنسة “جين”: أقلِّ الشابات جاذبيةً وجمالاً بين معارفه! رفضت “جين” عرض الزواج المغري الذي تقدم به “دال” – على شدة حبها له- خَشية أن تظلمه! فهي ذات وجه يخلو من قَسَمات الجمال. أما هو فشاب فنان مرهف المشاعر، شديد التعلق بالجمال أينما كان. لذلك كانت ترى نفسَها آخرَ من يصلح للزواج به، وعنده من الجميلات ما يغنيه عن التفكير فيها.

أما هو – دال- فقد كان بحق مفتونًا بالجمال، إلا أنه قد حصره بدايةً في الشكل الخارجي، ثم تحول تدريجيًّا مع “جين” ليتخذ مَنْحى آخرَ، هو جمال الروح. فحين يُذكر سمو الروح ونبل الأخلاق وصدق المشاعر في الرواية، فهذه الثلاثة تجتمع في “جين”! فلم تكن “جين” بالنسبة له “المرأة بسيطة الملامح”، كما كانت ترى نفسها. بل كان يراها المثل الأعلى لصفاء الروح ونبلها، فكانت روحها تضفي نورًا خاصًا محببًا على وجهها “البسيط “، فإذا به أكثر إشراقًا وروعة من البدر ليلة تمامه!

وبعد سلسلة من المحاورات والمناقشات، تتفهم “جين” أخيرًا وجهة نظر الفنان محب الجمال، ذلك الجمال الذي لا تحده مفاتن جسد ولا محاسن وجه. فتقنع بصـــواب نظرته وخطأ تفكيرها، وتعود هي لتصل ما انقطع بينهما من أسباب الوداد، وترجوه أن يقبلها زوجة، ويسامحها على سوء تقديرها، فيقبل رجاءها ويتزوجان!

في الرواية تفاصيل وأفكار أخرى كثيرة تناقشها الكاتبة، غير أن هذا المحور هو لب الرواية.

 

قد أبدلك الله خيرًا منها:
حين أطبقْتُ صفحاتِ الرواية، وتَفَكّرتُ في ذلك المعنى الأخّاذ للجمال، تبدّى لي من بين ثنايا الذاكرة موقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لما غارت أُمّنا السيدةُ عائشة رضي الله عنها، من السيدة خديجة الطاهرة رضي الله عنها، حتى بلغ بالسيدة عائشة أنْ قالت: “ما تَذْكُرُ من عجوزٍ حمراءِ الشَّدْقَين، هلَكَتْ في الدهر، قد أبدلك الله خيرًا منها؟”. حينها غضب المصطفى عليه الصلاة والسلام، وما كان يغضب إلا لحق، ورد عليها الرد الذي خلدته صحائف التاريخ في مناقب السيدة خديجة الطاهرة رضي الله عنها: “لا والله ما أبدلَني الله خيرًا منها، قد آمنت بـي إذْ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذَّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل منها الولد إذ حرمني أولادَ النساء”(1). وفي رواية: “فغضب حتى قلتُ: “والذي بَعَثك بالحق، لا أذكرها بعد هذا إلا بخير”(2). وقال (ص) في مناسبة أخرى: “إني قد رُزِقْتُ حُبَّها”(3).

لقد كان وفاء الحبيب المصطفى لذكرى السيدة خديجة قويًّا، حتى كانت السيدة عائشة تغار منها وهي مُتَوفاة! ومَنْ السيدةُ عائشة؟ هي الحُمَيْراء الشابة الجميلة!

 

إن موقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، درسٌ عمليٌ في حقيقة الجمال. فلم تذْكُرْ كتبُ السيرة الجمالَ الشكلي للسيدة خديجة رضي الله عنها، بقدر ما أسهبت في وصف نبلها وكرم أخلاقها.

 

ولا سجل التاريخ حسنها الباهر، بقدر ما خلد وقفاتها العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما رد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، على قول السيدة عائشة: “عجوزًا.. قد أبدلك الله خيًرا منها”، وهي تعني الجمال الشكلي، لم ينْبَرِ المصطفى عليه الصلاة والسلام، لوصف المحاسن الجسدية للسيدة خديجة رضي الله عنها، بل ذكر نبلَ خلقِها ووفاءَها وأصالةَ جوهرِها النادر.

 

وتلك هي النظرة الصائبة لجمال الزوجة. فبهذا الجمال الخاص للسيدة خديجة استحقت أن تكون من الكاملات من النساء، وأن يتنـزل “جبريل” عليه السلام، يُقْرِئُها السلامَ من الله تبارك وتعالى، ويبشرها بـ “بيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا وصب”.

مقالتي هذه ليست دعوة لنبذ الجمال، وإنما دعوة لإنصافه. انصفوا الجمال يرحمكم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كاتبة رواية المسبحة هي فلورانس باركلي. والرواية مترجمة إلى العربية تحت عنوان "المسبحة"، ضمن سلسلة "مطبوعات كتابي"، التي تصدرها الدار العربية للنشر والتوزيع
(1) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.
(2) المعجم الكبير للطبراني.
(3) صحيح مسلم.
عرض التعليقات
تحميل المزيد