ماذا كان أحمد مكي يحاول أن يثبت بـجملة “أصله عربي” التي افتتح بها ألبومه الذي يحمل الاسم نفسه؟ ببحث بسيط على الإنترنت ستجد أن معظم ما قاله مكي هو أقرب لأن يكون استنتاجاته الشخصية، ولا تهمني صحته من عدمها، بل ما يهمني هو محاولاته لإثبات أن الراب أصله عربي، ونصل هنا لأهم سؤال: هل لو كان الراب أصله “مش عربي” كان مكي سيبذل مجهودًا ويغنيه؟

 

تلك الفقرة هي إحقاقـًا للحق، لقد أبرز هؤلاء العرب تقدمًا ملحوظـًا في مجموعة من العلوم مثل الطب والميكانيكا والفلك ،وألفوا في ذلك كتبًا كثيرة غير أن هناك مجموعة من التحقيقات التاريخية التي أُجريت في نهاية القرن التاسع عشر تؤكد أنه تم نسخ كثير من هذه العلوم دون كتابة أسماء الكُتّاب الأصليين.

لقد كان هؤلاء العرب حقـًا متطورين وسابقين لمن حولهم في العلوم، حتى إنني ذات مرة اصطدمت بمقولة في إحدى الأفلام الوثائقية تقول “في العصر الذي كان يعالج فيه الأوروبيون مرضاهم بالتعويذات ورسم الصليب على أجسامهم، كان المسلمون يقومون بعمل عمليات جراحية دقيقة لمرضاهم”، والآن عُكست الآية.

 

هؤلاء العرب، لقد تعمدت في بداية الفقرة السابقة أن أكتب هؤلاء العرب فقط لأثبت أن هؤلاء العرب يختلفون تمامًا عنّا نحن العرب، نحن وهم متشابهان فقط في الوجود الجغرافي، لكننا لم نرث منهم تفكيرهم العلمي ولا النظري، لم يُحافظ جيل سابق لنا على هذا الإرث ففقدناه، ونحن – الجيل الحالي- يصعب علينا استرجاعه.

 

وبالرغم من عدم كوننا فقراء إلا أننا نعتبر من الدول المتخلفة، ولأن حاضرنا لا يوجد به ما نفخر به فنستعين دائمًا بماضينا، وربما هذا لأننا نحاول دائمًا أن نبرز سيادتنا لكل شيء، ويتضح هذا كثيرًا مع المصريين وفخرنا بأننا بناة الأهرامات، رغم أننا لسنا نحن بناة الأهرامات، بل هم أشخاص كانوا يعيشون في مكاننا هذا نفسه منذ سبعة آلاف عام لا أكثر ولا أقل، ولا يوجد ما يدعو للفخر في إنجاز تم منذ قديم الأزل لم تستطع حتى أنت في فك شفراته.

 

التأكيد على أن أصل العلوم هم المسلمون أو العرب لا يغير من تخلفنا، بل إن هذا شيء مر عليه أكثر من ألف عام, وأنا لا أحبذ جملة هؤلاء الذين يقولون “فلنقم لننفض التراب عن عقولنا ونبدأ في الإنتاج والعمل” فتلك الجملة قد تستغرق منا 10 سنوات كي يتم تنفيذها.

 

لكي يتقدم الأوروبيون لم يقم واحد منهم ويقول “فلننفض الغبار عن عقولنا ولنعمل ونتقدم” فهذه هي مقولات الروائيين الخياليين، بل استغرق الأمر منهم عشرات السنين، وكلنا يعلم ما واجه جاليليو وغيره من علماء عصره من اضطهاد من الكنيسة، وبالتالي أحيانـًا تكون المشكلة ليست في الأشخاص، ولكن في النظام المتواجد ككل.

العقول الموجودة عندنا ليست ضعيفة، والدليل على ذلك أن كثيرًا من الدول الأوروبية بها كثير من المصريين العاملين بمجالات هندسية وطبية، إذا فالخطأ في المناخ الداخلي لمجتمعاتنا وللأنظمة التي تحكمنا، وربما لن يتم تعديلهذا في الفترة الحالية، وحتى ينصلح فليفتخر كل منا بما هو عليه، ولا يلقي بالاً للتاريخ، فنحن فقط قارئون له ولسنا مشاركين فيه.

 

كون أي شيء “أصله عربي” لا يعطيه أية أفضلية، وكون “أصله مش عربي” لا ينتقص منه تمامًا، فالعلوم والفنون لا تُقاس بمنشئها ولكنها تقاس بمدى تأثيرها في حياة الناس، وهنا يُعتبر البشر كتلة واحدة مُحررين من قيود المنشأ والمجتمع، فحينما نتحدث مثلاً عن اختراع الكهرباء لا نقول مثلاً إن لأمريكا فضل على العالم في ذلك، ربما كان كثيرون لا يعرفون أن أديسون أمريكي أصلاً، حينما نتحدث عن أينشتين لا نذكر كونه سويسريًّا يهوديًّا، حينما تسمع مقطوعة لبيتهوفن لا تذكر كونه ألمانيًّا بل فقط تقول إنها مقطوعة رائعة، حينما ترى لوحة فنية لـفان جوخ لا تتذكر كونه هولندي الجنسية.

 

لا تُواسي نفسك بأنك كنت في يوم من الأيام تمتلك حضارة من أقوى الحضارات التي مرت على تاريخ البشرية، ولكن ذكر نفسك بأن هذه الحضارة قد انتهت ولا مجال نهائيًّا لأن تعود بصورتها السابقة؛ لأن الكوكب قد تغير كثيرًا في ألف عام، لا تدع الماضي يقيدك ويحدد لك إطارًا، وتذكر بأنه لا حدود للإبداع، وحتى ذلك الحين تذكر أن الكلام المكتوب في آخر فقرة “أصله عربي…”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد