لم يعد في الإمكان، إلا القول «لكِ الله يا مصر، ولكم الممات والفقر والاعتقال والحرق، يا شعب مصر؛ في ظل حكم الشيطان الأعظم لمصر!»

لم يعد في بلادي غير موت الضمير، وسفك الدماء، واعتقال الأبرياء، وتعذيب الشباب، وموت العلماء، وانتحار الأطفال، وانتهاء الارتباط بين الأطفال والمستقبل. لم يعد في بلادى عدل؛ لم يعد في بلادي غير القتل والتعذيب.

كل يوم نسمع عن اعتقال شاب، وموته بالتعذيب، أو الحكم على فلان بالإعدام، وتعذيبه تعذيبًا وحشيًا! «ريجيني» الإيطالي، لم ينج من التعذيب الوحشي حتى الموت، ولكن لأنه إيطالي، وليس مصريًا، وجد من يدافع عنه، حتى علم العالم بقصة  موته الوحشية.

ولكن العالم الظالم لا يسمع عن آلاف «جوليو ريجيني»، الذين يعذبون يوميًا بوحشية، ويتمنون الموت كل لحظة؛ لمجرد أنهم مصريون .

كيف أصبحت بلادي هكذا، دولة الوحوش والشياطين، دولة قتل الأمل والشباب؟

أمس، حكينا عن ريجينى المصري، واليوم نحكي عن صاحب شركة صغيرة، الذي قتلته وحوش الشيطان المصري.

رسالة بمجرد أن تسمعها، تتمنى شيئًا واحدًا: أن تهجر تلك البلاد التي لم تعد بلادي، التي أصبحت جمهورية الموت والجحيم، الموت في كل مكان، والخوف في كل ركن، والرعب يتملك الجميع حتى فى سراديب الظلام والنور.

تحكي «هبة علي» زوجة «أحمد عبد المنعم سلامة»، المحكوم عليه بالإعدام، في القضية رقم 22 لسنة 2015 جنايات عسكرية طنطا، والمعروفة إعلاميًّا بقضية «استاد كفر الشيخ».

تقول الزوجة «هاجمت قوات الأمن الخاصة شركة زوجي، بشارع الخليفة المأمون، بكفر الشيخ، ظهر يوم 20 أبريل 2015، وسارعوا بتعصيب عينيه، وأبلغنا بما حدث معه: عميل كان بالشركة، تم إلقاء القبض عليه مع زوجي، وبعد 3 ساعات احتجاز، بقسم أول كفر الشيخ، تم الإفراج عن العميل، عقب تهديده باغتصاب زوجته».

وتابعت «توجهت لقسم الشرطة، وأبلغني أفراد الشرطة بعدم وجود زوجي بالداخل، فانتقلت للبحث عنه بمحكمة كفر الشيخ، ومعسكر الأمن المركزي، وأرسلت (تلغرافات) للمحامي العام، بطنطا، كما توجهت له، يوم 23 أبريل (نيسان)؛ قدمت له محضرًا؛ يثبت أن زوجي مختف، ومحضرًا آخر في نيابة كفر الشيخ، حيث قام رئيس النيابة بتدوين أقوالنا في أحد هذه المحاضر, وبعد 75 يومًا بلغني اليأس، فتقدمت بمحضر اتهمت فيه الشرطة بقتله»!

وتضيف «كان الرد قاسيًا؛ بمداهمة منزلنا، للمرة الثانية، وتكسير باب الشقة، واستولوا على كافة متعلقاتنا، ولم يتركوا شيئًا سليمًا بمنزلنا، ومكثنا في تعذيب نفسي، نعيش كأموات، حتى ظهر يوم 2 يوليو (تموز) بالنيابة العسكرية في الإسكندرية».

وتروي زوجة «سلامة» الانتهاكات التي تعرض لها الزوج، قائلة «زوجي تعرض لأسوأ أنواع التعذيب في مقرات الأمن، وطالب رئيس النيابة بالكشف الطبى وإثبات وقائع التعذيب، ولكنه رفض, ثم انتقل من قسم أول كفر الشيخ إلى معسكر الأمن المركزي، ومن كفر الشيخ إلى مقر أمن الدولة، ومن كفر الشيخ إلى (لاظوغلي) بالقاهرة».

وتوضح أن «القضية كان يحاكم فيها 63 شخصًا, ثم تقلص العدد إلى 16 فقط, وتعقد الجلسات كل سبت وثلاثاء، كانوا يحضرون الجلسات بالإسكندرية، وهم محتجزون في سجن طنطا، من كفر الشيخ إلى الإسكندرية، ومنها إلى طنطا، في عربة ترحيلات، يعيشون فيها طوال الأسبوع»!

رسالة مسربة

وكشفت عن رسالة زوجها، التي يوثق فيها ما حدث له منذ أول يوم اعتقال، والتي قال فيها «تم اقتيادي ودفعي نحو سيارة (ملاكي) بيضاء, كان مع الكمين ضابط اسمه (هاني) أعرفه منذ أن كان طالبًا؛ إذ كان يتردد على المغسلة، التي كانت بجوار المحل القديم، الذي كنت أعمل به, عندما وصلت السيارة، وضعت عصابة سوداء على وجهي، واقتيادي إلى مكان لم أعرفه، إلا بعد فترة، وكان هذا المكان هو (بندر) كفر الشيخ، وقام (أحمد السكران) وعدد من المخبرين بضربي، حتى أصبت بحالة من الإغماء، ونزيف من فمي، ثم تركوني حوالي ساعتين».

ويتابع سلامة «ظللت واقفًا معصوب العينين، مقيد اليدين، حتى فجر اليوم التالي، وبعد صلاة الفجر، جاءت المرحلة الثانية من التعذيب».

صعق وتعليق

ويستطرد الزوج المحكوم عليه عسكريًا بالإعدام في رسالته «أخذوني فجر هذا اليوم إلى مقر أمن الدولة بكفر الشيخ، حيث بدأوا في استخدام الصعق بالكهرباء في كل أنحاء جسمي؛ إذ جردوني من ملابسي تمامًا، ولم ينج من جسدي أي جزء من الصعق بالكهرباء، واستخدموا أبشع أنواع العذاب من الكهرباء، حتى القبل والدبر؛ إذ كان التركيز على هاتين المنطقتين تحديدًا».

ويضيف «من كثرة استخدام الصعق بالكهرباء احترق جسدي, كانوا يستخدمون الجاز والبنزين أثناء الصعق بالكهرباء؛ حتى يكون تأثير الصعق بالكهرباء أشد ألمًا، وكنت أصرخ ـ ولا أحد يرحمني ـ من شدة التعذيب».

ويتابع سلامة «استمر التعذيب صعقًا بالكهرباء حوالي خمسة أيام متواصلة، لم تنقطع فيها أشكال التعذيب», واصفًا طريقة الصعق بالكهرباء، كالتالي: «ربط القدمين في الكراسي، كل قدم مربوطة في كرسي, اليدان مثل القدمين، كل يد في كرسي، ويجلس على الكرسي أحد الضباط أو المخبرين، وأحدهم يقوم بوضع البنزين والجاز، والآخر يستخدم صاعق الكهرباء، ويتبادلون علي واحدًا تلو الآخر، وقد كنت عاريًا تمامًا من الملابس، وبعد خمسة أيام من التعذيب بالكهرباء، استخدم أسلوب جديد مع الصعق: وهو التعليق بالباب».

ويشرح تلك الطريقة قائلا «تربط اليدين خلف الظهر، وبحبال ترفع الإنسان إلى أعلى، حتى تكون اليدان عند حافة الباب العلوي، وهو في وضع الفتح، ويتم وضع اليدين المربوطتين على حافة الباب، ويتم سحب الكرسي من تحتك، فتبقى معلقًا على الباب، وتكون اليدان خلف الظهر، وكنت أصرخ، وكلما صرخت يطالني التعذيب بالصاعق الكهربائي، وأنا معلق على الباب، وقد استمر الحال حوالي يومين من التعليق، ولا أحد يسمع لك، وكان كل همهم أن أعترف على نفسي بالحادثة، ولم يحدث ذلك».

ويضيف «كانت نتيجة التعذيب بهذه الطريقة أني فقدت الإحساس بالجزء العلوي من جسدي، وهو ذراعي اليمنى، وذراعي اليسرى ورقبتي، وكانوا يقومون بنزع ملابسي تمامًا عن جسدي، حتى العورة».

«الشواية» أكثر إهانة

ويشرح الزوج «أحمد عبد المنعم سلامة» طريقة التعذيب بالشواية، قائلًا «أما عن (الشواية) فهي وسيلة تعذيب أكثر إهانة؛ إذث تُربط القدمان واليدان، وتوضع اليدان أمام الركبة، ليوضع قطعة من الخشب تحت الركبتين وأعلى اليدين، وتعلق على مجموعة من الكراسي، وتبقى رأسك إلى أسفل، والقطعة الخشبية معلقة على الكراسي، ويتم هزك كما لو كنت أرجوحة، ويُستخدم الصعق الكهربائي خلال ذلك».

ويضيف «استمر التعذيب بهذه الطريقة، حتى كدت  أموت مرتين؛ ما اضطرهم إلى إحضار طبيب، وتم حقني بمواد لا أعرفها، ونتيجة التعذيب الشديد أصابتني حالة من الإعياء، مع العلم أني كنت عاريًا من ملابسي طوال فترة التعذيب».

ويتابع سلامة «كان من آثار التعذيب ـ أيضًا ـ كسر بالأنف، وقطع في اليد اليسري، والذراع اليمنى، ومفصل الكوع لا أستطيع أن أحمل به أي شيء، وفقرات العنق، وقطع في الأنف بين الحاجبين، وفقرات في الظهر، وتهتك في عضلات الذراعين»، مؤكدًا أن «التعذيب استمر بمقر أمن الدولة بكفر الشيخ حوالي 13 يومًا على نفس الوتيرة، وبعدها، اقتُدت وأنا معصوب العينين إلى القاهرة إلى مقر أمن الدولة بـ(لاظوغلي)، الذي ظللت أعذب فيه لمدة 3 أيام، كنت خلالها معصوب العينين، ومقيد اليدين من الخلف، خلف الظهر».

في معسكر قوات الأمن

وبعد أن قضى بلاظوغلي 3 أيام من التعذيب، رحيل «سلامة» إلى معسكر قوات أمن كفر الشيخ مرة أخرى. ويضيف «جلست في مقر قوات الأمن حوالي عشرة أيام في مكان تحت الأرض؛ حتى لا يعرف أحد مكان اختفائي، وطلبت منهم علاجًا، دون مجيب، وهو أشبه بالمقبرة».

ويكمل «وفي صباح يوم الخميس الساعة السادسة صباحًا، إذا بباب الزنزانة يفتح، لأقتاد إلى مكان لا أعرفه، وإذا بي أفاجأ بوقوفي أمام أحمد السكران، ومعه رجل آخر ذي لهجة صعيدية، وبدأت حفلة الاستقبال المعروفة، من ضرب، وسحل، وشتم، ووضع الرأس على الأرض، وضربها، وكنت مقيد اليدين، ومعصوب العينين، وقالوا لي: (أنت عارف أنت فين؟) قلت لهم: لا أعرف، فقالوا لي: (أنت في مقر المخابرات الحربية)».

ويقول الزوج المحكوم عليه بالإعدام: كنت أجلس على كرسي بلاستيك ذي قاعدة حديدية، ويدي مقيدة ومربوطة في الكرسي، ومعصوب العينين؛ إذ كنت أقضي يومي على هذا الكرسي من نوم وشرب، وغير مسموح لي بدخول دورة المياه، إلا مرتين في اليوم والليلة.

وتابع «لم يسمح لي أيضا بتغيير الملابس طيلة 50 يومًا تقريبًا، وغير مسموح بالاستحمام أو استخدام الصابون, كل ذلك من المحرمات على الإنسان في نظر هؤلاء، كان الغرض منه أن تضيق بك الحياة وتنتحر، أو تغير من أقوالك وتعترف بجرائم لم ترتكب بعد».

واختتم شهادته قائلًا «من أسماء أفراد الأمن الذين تناوبوا عليَّ في الحبس «محمد صلاح حميدة، مصطفى الرفاعي، (الجوهري) رجب، محمد فاروق، وليد البنا، محمد»، كما كنت أسمع أسماء أخرى، منها «وجيه، عبد الشافي، إيهاب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشيطان
عرض التعليقات
تحميل المزيد