عند بداية الرواية يكتب الروائي غيوم ميسو تعليقًا طريفًا: «لكي توفر لهم الدهشة، لا تخبر أصدقاءك بما حدث في نهاية هذا الكتاب»، لكن ما نسي أن يضيفه، قد لا تكون الدهشة فقط في نهاية الكتاب بل بين فصوله أيضًا.

يوحي العنوان للقارئ بأن هذه الرواية رومانسية، وربما حتى الصفحات الأولى للكتاب، إلا أنها بعيدة كل البعد عن الروايات الرومانسية. تتحدث الرواية عن قصة صديقين، وطبيبين نفسيين، «مارك» الذي هجر بيته وعمله وزوجته، وفضل مجارير وأنفاق نيويورك والعيش متشردًا إزاء فقدانه لابنته الصغيرة «ليلى» في حادثة اختفاء غامضة، و«كونور» الذي حقق ما أراده دومًا لكن ظل طعم الدم عالقًا في فمه بسبب الماضي الأسود الذي عاشه.

في أحداث متسلسلة تتقاطع حياة «مارك» و«كونور» بشخصيات أخرى، «إيفي» التي تسعى للانتقام من أجل والدتها، و«أليسون» الشابة التي أمضت سنوات شبابها بين بارات نيويورك والمخدرات واستفاقت على انتحار والدها.

ما علاقة «إيفي» و«أليسون» بالطبيبين؟ وما السر الذي يختبئ وراء ظهور ابنة مارك «ليلى» مجددًا بعد سنوات طويلة؟ وما الذي قد يفعله «كونور» لينقذ صديق طفولته «مارك»؟

احترامًا لرغبة الكاتب، لا يمكن البوح بنهاية الرواية ولا بالخيوط التي تربطها، وبعيدًا عن كونها ربما رواية اجتماعية، أو رومانسية، أو خيالية، فإنها تتحدث بشكل أعمق عن الخوف والفقد. عن الغضب والعجز. عن الحياة غير المنصفة، وعن الحب الذي يمكنه إنقاذ الإنسان من أبشع كوابيسه، والأهم من كل هذا، عن الطب النفسي.

يمكننا ملاحظة أن الطب النفسي قد أصبح مصطلحًا معروفًا ومقبولًا نوعًا ما في المجتمع العربي بسبب مواقع التواصل الاجتماعي والكتب، والأفلام التي يحاولون توعية الناس بهذا الخصوص.

مع هذا لا تزال تحيط به هالة من الخرافات التي روج لها البعض، وجعله يبدو حلًّا سحريًّا قد يحل كل مشاكلك في رمشة عين ويجعل حياتك وردية، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

عن التجاوز:

وراء البذلات الغالية التي يرتديها، ووراء النجاح الباهر الذي حققه في وقت قصير، يخفي «كونور» الماضي الأليم وثقل الثأر على كتفيه والكوابيس التي تراوده، مع ذلك هو لم يوقف حياته بل واصل رغم كل شيء، وهذا هو ما يسمى التجاوز، لا يعني أنك ستنسى تمامًا، وأن الألم سيختفي بل يعني المواصلة، حيث يقول: «ينتهي بنا الأمر بالبقاء على قيد الحياة، لكننا أبدًا لا ننسى، يمكث الألم باستمرار في أعماق قلوبنا، لكن الأمر ينتهي بنا بالبقاء على قيد الحياة».

عن الألم:

يلجأ أصحاب الصدمات النفسية، ومرضى الاكتئاب إلى الطب النفسي، لكن أغلبهم لا يواصلون العلاج للفكرة الخاطئة التي بعقلهم العلاج النفسي يجعل الألم يختفي تمامًا» لكن هذا ليس حقيقيًّا، الطب النفسي هو مجرد وسيلة تساعدك على اعتياد الألم وتقبله والتعايش معه رغم كل شيء، حيث يقول مارك لابنته: «الناس يجيئون لرؤيتي عندما يتعذبون من الداخل. يتعذبون بما أنهم يقاسون تجارب تترك فيهم جروحًا في القلب. إنها آلام يصعب الاعتناء بها (…) غالبًا ما يحس هؤلاء الأشخاص بأنفسهم خاطئين بعض الشيء، حتى لو لم يكونوا قد اقترفوا ذنبًا. مهنتي هي أن أقنعهم أن بوسعهم أن يولدوا مجددًا من ألمهم. ليس ثمة جرح لا يمكن التخلص منه. إنني عميق الاقتناع بذلك: بوسع الناس أن يحولوا ندوبهم إلى قوة. وليس ذلك بالأمر السحري. يستغرق ذلك بعض الوقت. وغالبًا، لا يشفون بالكامل. لا يختفي الألم بالكامل حقًّا. إنه يبقى جاثمًا في أعماقنا. إلا أنه يجعلنا نعود إلى الحياة ونواصل طريقنا».

وهذا ما قامت به إيفي، تخلت عن الانتقام لوالدتها والتفتت لتحقيق قائمة الأهداف التي كتبتها يومًا.

يمكن اعتبار هذه الرواية وقتًا مستقطعًا بعد قراءة عمل ضخم، حيث يمتعنا «ميسو» كعادته وبأسلوبه السلس بقصة تناقش النفس البشرية وضعفها.

عن غيوم ميسو:

هو كاتب فرنسي ولد في 6 يونيو (حزيران) سنة 1974م، نشر أول رواية له تحت عنوان «وبعد» سنة 2003، وحازت اهتمام القراء. آخر أعماله المترجمة: هل ستكون هنا؟ الحياة رواية. أما آخر أعماله غير المترجمة: غريب نهر السين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد