المثقفات..تلك الكلمة الفضفاضة التي ظننا أنها تناسب كل من تسمت بها، أو وصفتها بها دائرة الأقارب والمعارف المحيطة بها، المحترفة للمجاملات –غالبا- كعادتنا في إطلاق النعوت دون إدراك حقيقي لمعناها، ثم خضنا في إشكالات ما ترتب على هذه الثقافة من زواج وتعاملات اجتماعية وغيرها.

وحصرنا الثقافة في عدد الكتب المقروءة أو المصورة بجانب فناجين القهوة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو في عدد الـ events التي حُضرت، ومن ثم كان تخيل الزواج على هذا النسق يعتبر تعجيزا واضحا، فمن ذا “العريس” الذي يطيق أن تصبح ميزانية كتب زوجته أهم من شراء احتياجات منزلهما؟ وأي أم ستتحمل “فلسفة” ابنتها العروس عن مقارنة أهمية المكتبة والنيش؟ وأي سُخف ترتكبه الفتاة في حق نفسها حين تحاول اختيار لون فستان خطوبتها وشكل صحبة الورد بناءًعلى وضعها كـ “مثقفة” بين صديقاتها، مما يستلزم منهن الإحساس بالـ #عمق والـ #هاااح؟

الثقافة أبسط من كل تلك الأوهام، عادي جدا أن تكون الفتاة مثقفة وتتكلم بالعامية الدارجة دون أن تتكلف إدخال كلمات متقعرة في كل جملة تتفوه بها، فضلا عن تلك الكلمات الإنجليزية الملصقة بشكل رديء في كلامها. وطبيعي أيضا أن توفر الثمن الباهظ للكتب والروايات وتقرأها pdf دون أن تضع صورة غلاف ما تقرأ على حسابها الشخصي. ولن ينقص من قدرها شيء حين تكتب منشورات خفيفة وبسيطة تشارك بها معارفها، دون أن تجعلهم يكرهوا الشتاء والحب والسفر، وأهم ما يميز المثقفة أنها لا تعتبر أن كتابة نص نثري بديع الأسلوب ثريّ المعنى من زوجها حين إشهار ارتباطهما ركنا شرعيا لا يصح الزواج بدونه!

المثقفة قد لا تملك حصيلة مفردات من لغات أخرى، وليس شرطا أن تكون قد قرأت لمالك بن نبي ولا مقدمة ابن خلدون، وربما لا تكون غادرت مدينتها من قبل كي تدعي أن كثرة الترحال قد صقلت شخصيتها النادرة –مع التأكيد أن كل ما سبق يساهم في بناء ثقافة الفرد- ولكنها تملك من الوعي والذكاء ما يؤهلها لبناء بيت قويم يرعى أبناء أسوياء.

لذا فزواج المثقفة لا يستلزم النوق العصافير كي تقبل بخاطبها، ولا يختلف قرارها بالقبول أو الرفض مع قصائد قيس، هي كبقية بنات حواء، لها روح تحتاج من يتوافق معها ويعطيها أمانا ليزهر عمرها في ظله..ليس إلا.

لا شك أن التصنيفات التي غزت حياتنا قد أورثتنا كمّا هائلا من العُقَد، فشلنا في التعامل معها بشكل سليم واعتبرناه واقعا نبني عليه توجهاتنا، وكِلنا بمكيالين على حسب مصالحنا الموسمية، والرأي عندي أننا إذا قبلنا أن تقسم الفتيات إلى مثقفات وغيرهن، فلابد أن نقبل بتقسيم عوانس وصغيرات، جميلات وعاديات ودميمات، متمدنات وفلاحات، والتقسيم لا نهائيّ…

فقط لو تحررنا من كل الهالات التي نصنعها حول حياتنا الشخصية لرأينا ألوان الحياة على حقيقتها، الحياة كما خلقها الله وكما أرادها لنا دون أن نلوثها بأصباغ صناعية ضارة جدا بالصحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد