تنهمر الخيالات الجميلة إذا صففنا كلمة الحسن والرقة والعطف فتصنع في ذهن قارئها صورة امرأة أنيقة حيية، صورة أنثى مكتملة الروح، ولكنها في كل الحالات لن ترتبط بطيف كائن من نار تلتهب جوانبه وتشتعل ليخلق من العدم سحابة ماطرة، ليس ذلك طبع الأنثى وإن اعتنقته وتبنته. إلا أنه يبقى هجينا عن فطرتها لا يثيره فيها إلا مايثيره في الجنس الآخر من اضطهاد وظلم وكبت أو تقييد لحرياتها وسعيها في تحقيق ذاتها.لا يثير الثورة في الأنثى طبعها، بل يثيرها فيها ما يثيرها في أي إنسان سوي تنزل إنسانيته في نفسه منزل العظمة ويعلم يقينا أنه الجزء الأهم من كيانه.

أغلب العظيمات اللاتي بتنا نقاسمهن فضاءات الواقع والافتراض لا يمارسن حروبا مباشرة وموجهة ضد الرجل بغرض إثبات ذواتهن وخلق فرص قيمة لهن، هن يخضن حربهن الأولى ضد عامل التثبيط الذي نعاني منه باعتبارنا أفرادا من مجتمعات تمكن منها اليأس والعجز أما الرجل فهو ذلك الأب الحامي والزوج السند، ولا أعتقد أن أي واحدة منهن تمكنت من تحقيق شيء بسيط كان أو كبير دون أن تلجأ لأب أو صديق أو زوج أو أخ، ليس لجوء يحكمه الضعف أو العجز بل لجوء بحكم الحب والثقة، لجوء بحكم فطرة الإنسان التي لا نستطيع خنقها في دواخلنا مهما شوهتها الأفكار والمفاهيم التي تزرع في داخلنا لكننا استوردنا من المفاهيم ما من شأنه أن يدفعنا إلى ساحة معركة نحن في غنى عنها، وتشربنا من الأفكار ما يجعلنا مدجيين بالرفض لواقع لم نحاول حتى أن ننظر إليه نظرة المحلل أو المشخص الذي يتعمق في فهم مشكلته حتى يجد لها حلا، رفضناه ورحنا نحاول تفجيره وردمه والقضاء عليه قضاء تاما غير مولين أهمية لكونه جزءا منا ومن دواخلنا رفضناه غير مبالين بأنه بالرغم من كل ذلك هو صانعنا ولن نتمكن من الفرار منه مهما حاولنا ذلك فبصمته راسخة في شخصياتنا وسلوكياتنا  بل رحنا نثور لمجرد الثورة فقط، نطالب بحقوق هي من المسلمات لا نحتاج النقاش فيها ولا رفع اللافتات والأصوات فأثبتنا بمطالباتنا عجزنا ونقصنا ورحنا في محاولة إيجاد بيئة تساوي بين الرجل والمرأة نزيد الشرخ بين الجنسين ونخلقه خلقا فالمرأة التي كانت ترى فيما مضى أن الحياة نصفان. هي ومايقابلها ولكل نصف إحداثياته وطرقه في العيش والخوض ولكن كلا النصفين يصبان في بوتقة واحدة ويعملان معا في تحريك عجلة النهضة والحياة والمضي قدما في تطبيق مشروع موحد، باتت ترى أن لها الحق التام في إلغاء الآخر وفي تقليص دوره أو حتى الاستغناء عنه تماما وحجتها في ذلك هي أن تجعل لنفسها مساحة كافية للعمل على تطوير ذاتها وتخوفها من إلغاء الآخر لها، فأصبح الدواء مجرد تبادل الأدوار فقط راحت تقنع الجميع بقوتها وقدرتها في اعتراف ضمني بعجزها ونقصها الذي لايمثلها إلا هي، فالأنثى ليست عاجزة ولا ناقصة ولا ضعيفة، للمرأة شخصيتها وتفاصيلها التي تميزها هي ولا يصح في أي حال من الأحوال أن تقارن نفسها بجنس يختلف عن جنسها وعن طبيعتها، في حقيقة الأمر لا تكون المرأة ضعيفة إلا مقارنة بامرأة أخرى تفوقها قوة وإرادة، ولا تكون ناقصة إلا مقارنة بامرأة أخرى تزيد عنها موهبة، تكوينا وخبرة. فمن أي معادلة غير عادلة اقتنعنا بأننا عاجزات ضعيفات وبأي منطق رحنا نردّ عنّا تهمة غير منطقية ولا يقبلها عقل فأثبتناها برفضنا وروّجناها بمطالبتنا بإسقاطها عنّا. ألسنا نحن في الأخير من صنعنا لأنفسنا حيزا ضيقا حصرنا أنفسنا في داخله. عوض تعديل لغتها وأسلوبها القديم في لعب دورها فرضت عليها الجمعيات والتحركات استراتيجية جديدة تحثها على تغير المخطط الأساسي إلى مخطط آخر فأغرتها الصور الجاهزة وخاضت حربها وثورتها. لا لشيء فقط لأنها أنثى ولأن الأصل في الأنثى أنها تُضطهد وتُظلم وتأخذ قراراتها من قرارات الرجال في مجتمع ذكوري تربت وسطه. إلا أن الواقع حقا يختلف عن ذلك كله، ولازلت كلما ذكرت دور المرأة قديما ومدى حريتها تذكرت جدتي بوقفتها المهيبة عند باب الدار تدفع جدي بحزم كلماتها إلى مغادرة خمول المتقاعدين إلى إيجاد مشروع صغير يبعد عنه متلازمة القعود لعد أوجاع الجسد الذي يخلقها الفراغ، أو ارتدائها لحايكها الأبيض (وهو لباس تقليدي جزائري) وهي تحمل في يمينها منسوجات بهية الألوان تنقلها إلى الراهبات في كنائس المنطقة ليعرضنها للبيع.

تذكرت ما يرويه أهل القرية عن مشاركة نسوتهن في خدمة أراضيهم وحرثها وبذرها. في زراعة الأرض عندما كان الاقتصاد زراعيا. كان للمرأة دورها الأساسي والمحوري في مجتمع ذكوري ولم يمنعها عن ممارسته أحد،فما الذي قد يمنعها الآن؟!  لازلت أذكر أن المرأة في سنوات الثورة الجزائرية الأولى كانت تتخلى عن حجابها وتتأنق وتتزين وتدس جسدها النحيل في صفوف المقاهي ومقاعدها لتخلف وراءها ثورة حقيقية، لا ثورة لكونها أنثى فقط. ثورة لكونها مضطهدة مسلوبة الحرية، أدركت يقينا من هو عدوها فوجهت سلاحها نحوه أليست تلك المطالب حقا ما نسعى لتحقيقه أو أننا فقط جعلناها نصوصا حقوقية، مجرد أعمدة نرفعها لا لتنير لنا لكن لنحرق بها ونشق بها طرقا في حقيقة الأمر لا تعنينا! إن كان هنالك حقا من تهميش للمرأة ولدورها فهو في مجتمعات بحد ذاتها وفي بيئات معينة تحتاج إلى دراسة حقيقية، دراسة موضوعية من شأنها أن تجد حلولا حقيقية تطبق في حدود البيئة ذاتها، لا مشاريع وشعارات مطاطية تُملأ بها الرؤوس وتُعد لتحطيم بنى الأسر التحتية وتشويهها.

إن البنية البروتينية الأساسية لأي ترياق أو تطعيم تُخلق من بنية الفيروس أو السم الأصلي لا من تصميمات فراغية خيالية وذلك سرّ فاعليتها ونتائجها الإيجابية. فلماذا إذن نُطبّق على مجتمعاتنا وصفات لم تُوجد لمعالجة دائها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنثى
عرض التعليقات
تحميل المزيد