«إن الدين هو ضياء القلوب، أما العلوم الحديثة فهي نور العقول» بهذه الكلمات القليلة والعميقة المعنى والأثر، أوجز بطل حلقتنا منهجه، إنه «بديع الزمان سعيد النورسي» صاحب المدرسة المتفردة في الفكر الإسلامي الوسطي، والذي ولد في قرية نورس شرقي الأناضول، لأبوين كرديين، كانا مضربًا للمثل في الصلاح والتقى، وهما من عشائر قبائل الهكارية في تركيا.

تلقى «سعيد» تعليمه الأول في بلدته، حيث ظهرت عليه علامات النبوغ والنجابة، حتى لُقب بـ«بديع الزمان» و«سعيدي مشهور»، مر «سعيد» بطورين حياتيين؛ أولهما: «سعيد» القديم، والذي تمثل في محاولته رأب الصدع في الخلافة العثمانية المقتربة من النهاية، أو رجل أوروبا المريض كما اشتهر آنذاك، إلا أن علة الخلافة وأفول بريقها، والتفاف الأعداء من حولها، كانت جميعها عوامل من الصعوبة بمكان للحيلولة دون تداعي الخلافة، أو حتى تأخير موعد النهاية.

إلا أن هزيمة الباب العالي في الحرب العالمية الأولى عجلت بانهيار الخلافة العثمانية، إيذانًا بتصدعات خطيرة في البنية الأساسية لحاضرة العالم الإسلامي، والتي ملكت الدنيا لستة قرون، حيث جرت تغييرات واسعة هدفت في المقام الأول لاستئصال أية مظاهر إسلامية، والتحول نحو الغرب والعلمانية، فاستُبدلت الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا للتشريع الأول بالدولة بالقانون السويسري المدني، وتم إحداث تغييرات في نظام المواريث، كما أُلغي التعليم الديني، ومُنعت الكتابة باللغة العربية، وفرضت بالحروف اللاتينية، وتمت ترجمة القرآن إلى التركية، واتخذ يوم الأحد عطلة رسمية بدلًا من الجمعة، فيما حُرِّم الاحتفال بعيدي الأضحى والفطر، وتوقف العمل بالتقويم الهجري.

لم تكن هذه الخطوات الصادمة لمشاعر الإسلاميين بالتي تمر مرور الكرام دون مقاومة، حيث تزّعم الشيخ «سعيد بيران البالوي النقشبندي» الثورة ضد هذه الإجراءات التعسفية، وطلب من «بديع الزمان» الدعم إلا أن «بديع الزمان» كان قد تحول إلى طور «سعيد» الجديد، الذي لم تعد تعنيه فكرة إصلاح الخلافة، بقدر ما يعنيه إصلاح الإنسان المسلم، فانتهج الدعوة السلمية، ووجوب جهاد النفس، وتنوير الأفكار، ونبذ حمل السلاح في معارك داخلية مع المخالفين حكامًا كانوا أو محكومين؛ لأنها تزيد الفرقة داخل نسيج المجتمع الواحد، لهذا كان رفض «بديع الزمان» لدعم هذه الثورة قائلًا: «إن ما تقومون به من ثورة تدفع الأخ لقتل أخيه، ولا تحقق أية نتيجة، فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام وضحّت في سبيل دينها مئات الألوف بل الملايين من الشهداء، فضلًا عن تربيتها ملايين الأولياء؛ لذا لا يُستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام، الأمة التركية، وأنا أيضًا لا أستلُّه عليهم».

وعلى الرغم من سلمية الشيخ التي أعلنها بشكل صريح، إلا أن دعوة الشيخ إلى إحياء الإسلام كانت مثارًا لقلق السلطات التركية، فتعرض للسجن والتعذيب والنفي لمرات عديدة، ويتحدث «بديع الزمان» عن هذه الفترة بقوله: «صرفت كل همي ووقتي إلى تدبّر معاني القرآن الكريم، وبدأت أعيش حياة سعيد الجديد، أخذتني الأقدار نفيًا من مدينة إلى أخرى، وفي هذه الأثناء تولَّدت من صميم قلبي معاني جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم، أمليتها على من حولي من الأشخاص تلك الرسائل التي أطلقت عليها رسائل النور».

انصبت مرحلة «سعيد» الجديد على خدمة القرآن عبر إبراز حقائقه للناس، والعمل على تجديد الإيمان بالقلوب؛ وذلك بالتحول به من إيمان جامد موروث إلى إيمان نابض وحيٍّ ومشهود، كما يرى أن العالم المادي قد خلق متطلبات حياتية شغلت الناس عن الغاية الحقيقية لوجودهم فيقول: «إن هذا العصر العجيب الذي أثقل كاهل الإنسان بالحياة الدنيوية، بما كثّر عليه من متطلبات الحياة، وضيّق عليه مواردها، وحوّل حاجاته غير الضرورية إلى ضرورية بما ابتلاه من تقليد الناس بعضهم بعضًا، ومن التمسك بعادات مستحكمة فيهم، حتى جعل الحياة والمعاش هي الغاية القصوى والمقصد الأعظم للإنسان في كل وقت، هذا العصر العجيب أسدل بهذه الأمور حجابًا دون الحياة الدينية والأخروية والأبدية، أو في الأقل جعلها أمرًا ثانويًا أو ثالثيًّا بالنسبة له».

كما تحدث عن شكل العصر الذي ينشده بصفته بديلًا عن هذا الشكل المادي الذي غزا مظاهر الحياة من حوله، وذلك بقوله للمحكمة حينما كان مسجونًا في اسكشير: «لقد تساءلتم هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية؟ وإنني أقول لكم: إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة، وإن كثيرين هم أولئك الذين يدخلون الجنة بغير طريقة، ولكن أحدًا لا يدخل الجنة بغير إيمان».

كان لـ«بديع الزمان» رؤية رائعة متفردة في مفهوم التجديد، ولا نجد ما يضاهي كلمات «بديع الزمان» روعة في التعبير عنها؛ إذ يقول: «نحن العلماء كأننا أتينا نعالج أمراضًا للناس نحن بعض منها، فكيف أداوي وأنا مريض؟ فبدأتُ أقرأ في كتاب عبد القادر الجيلاني (مفاتح الغيب) فوجدت عبارة (أنت في دار الحكمة تطلب طبيبًا يداوي قلبك)، فقلت: أيُّها الشيخ كن أنت طبيبي، فقرأت الكتاب كأنّه يخاطبني، فعندما أجد عبارة (أيها المنافق!) فكأنما كان يعنيني بها! وعندما أجد عبارة (أيها المشرك!) فكأنما أنا المقصود بذلك! فلم أستطع إكمال قراءة الكتاب، وأحسستُ بجروحٍ عميقةٍ، ولكن بعد فترة وجدت أن هذه الجروح بدأت تتعافى وكان هذا بداية التجديد».

ويقول عن منهجه في إحياء الإيمان: «لا تحسبن أن ما أكتبه شيء مضغته الأفكار والعقول، كلا! بل فيض أفيض على روحٍ مجروح، وقلب مقروح، بالاستمداد من القرآن الكريم، ولا تظنه أيضًا شيئًا سيالًا تذوقه القلوب وهو يزول، كلا! بل أنوارٌ من حقائق ثابتة انعكست على عقلٍ عليلٍ، وقلبٍ مريضٍ، ونفسٍ عمي».

وحينما يتحدث عن سمات أهل عصره، فهو يرى أن أهل هذا العصر، الذي اغتر بنفسه، وأصم أذنيه عن سماع القرآن أكثر من أي عصر مضى، وأهل الكتاب منهم خاصة، أحوج ما يكونون إلى إرشاد القرآن الذي يخاطبهم بـ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} وهو يرى أن المقصود بأهل الكتاب في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} تنطبق على عصرنا أكثر من أي عصر مضى، فالمراد بها أهل الثقافة الحديثة، بكل ما تحويه من مكونات، وما تحمله من سمات وتوجهات، وما دامت هذه الثقافة الحديثة، وما رافقها من مفاهيم المدنية الحديثة، قد استمدت في بنائها فضائل الأديان السماوية؛ لذا فالدعوة في هذه الآية موجهة إليهم نحو التدبر في حكمة القرآن الكريم.

هذه الحكمة التي لا تقبل بغير (الحق) عمادًا للحياة الاجتماعية بديلًا عن (القوة)، وترفع راية الفضائل، ورضا الله غاية بدلًا من (المنفعة)، وتُعلي من قيمة التعاون باعتباره دستورًا أساسيًّا في الحياة بديلًا عن الحروب والصراعات، لتعلو في النهاية كفة الرابطة الدينية، نظيراتها من العنصرية والقومية.

كما ينتقد الحرية البعيدة عن الله وروح الإنسان المتمردة فيقول في تفسيره للآية الكريمة: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88]؛ ذلك لأن النفس تتوهم نفسها حرة مستقلة بذاتها، لذا تدّعي نوعًا من الربوبية، وتضمر عصيانًا حيال معبودها الحق، وعندما تترك الأنانية والغرور ترى نفسها حقًا أنها لا شيء بالذات، وإنما هي مرآة تعكس تجليات موجدها الحقيقي، فتظفر بوجود غير متناهٍ، وتربح وجود جميع المخلوقات. نعم! من يجد الله فقد وجد كل شيء، فما الموجودات جميعها إلاّ تجليات أسمائه الحسنى جل جلاله.

ترك «النورسي» العديد من المؤلفات، ومنها كليات رسائل النور، وتضم معاني الإيمان، ورسائل الكلمات وتوجز معاني العبادة والعقيدة، ورسائل اللمعات، وتضم الدروس لحياتنا اليومية من مناجاة أنبياء الله والسنة النبوية.

توفي «سعيد النورسي» في 25 من رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 مارس (أذار) 1960م، وتم دفن رفاته في مدينة أورفة، ولكن السلطات العسكرية الحاكمة لتركيا خشوا من تحول قبره لقبلة للزائرين؛ فقاموا بعد 4 أشهر من وفاته بهدم القبر، ونقل رفاته بالطائرة إلى جهة غير معلومة، ولكن حتى وإن اختفى الجسد فالفكر باقٍ لا يواريه الثرى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد