لعلك تتساءل ما وجه الشبه بينهما؟

النحل إما أن يلدغك أو تكون له سجينًا في مملكته، وإما أن تتلذذ بعسله ويعيد لك لذة الحياة التي سرقت منك!

فالآن، كيف للتكنولوچيا أن تلدغك؟

لدغة النحل سرعان ما تزول أما لدغة التكنولوجيا، فإما أن تلقي بك في حقول الإدمان أو الاكتئاب:

وسائل التواصل الاجتماعي هي الابن الأكبر للتكنولوجيا التي أنجبته ودلّله الجميع بالقرب منه وحمله على هواتفهم… أيعقل أن يؤذي المدلل من دلّله؟

أكدت إحدى الدراسات أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي يؤدي إلى زيادة الاكتئاب والوحدة والشعور بالتعاسة، إذ أثبتت أبحاث جامعة بنسلفانيا المستندة إلى بيانات تجريبية أن فيس بوك وسناب شات وإنستجرام يسببون تراجعًا فى مستوى الرفاهية.

ونشرت عالمة النفس «ميليسا جى هانت» النتائج التي توصلت إليها في مجلة Social and clinical Psychology في ديسمبر عام 2018، كما توصلت الدراسة إلى أن استخدام وسائل تواصل اجتماعية أقل من المعتاد يؤدي إلى انخفاض كبير فى كل من الاكتئاب والوحدة، وهذه التأثيرات كانت واضحة بشكل خاص للناس الذين كانوا أكثر اكتئابًا عندما أجريت عليهم الدراسة.

ربما هذا يفسر لماذا رغم كثرة أعدادنا وجلوسنا بجوار بعضنا البعض نشعر بوحشَة المكان!

الأمر لم يقتصر على الاكتئاب والاحساس بالوحدة بل طاله الإدمان! وهنا يأتي السؤال:

كيف تصبح مدمنًا بدون تناول الكحولات والمواد المخدرة؟

بشكل عام فالكحولات تختلف حسب ديانة الشخص والمجتمع الذي يعيش فيه، فإذا كنت تنتمي لمجتمع عربي أو كنت مسلمًا، فلا مجال للنقاش في هذه الأمور، وإن كنت تنتمي لمجتمع غربي، فأنت بحاجة إلى موافقة الأب والأم وبلوغ سن معين.

ولكن نحن الآن في عصر التكنولوجيا، فمن خلال وسائل التواصل الاجتماعي فأنت لست بحاجة لموافقة أهل ولست بحاجة لبلوغ سن معين، فالباب مفتوح لك وأنت بالخيار، إما أن تعبر من خلال الآلة وتستعملك وتكون مدمنًا لتلك التطبيقات وأسيرا لها، وإما أن تُعرض عن كل هذا.

فلقد أجريت دراسة فى جامعة هارفارد عام 2012 تقول: «إن متابعة التحديثات والضغط على أزرار الاتصال يثير مناطق في الدماغ لا يثيرها إلا الكوكايين»!

نستخلص من ذلك أن الاستخدام المفرط لشبكات التواصل الاجتماعى يسبب نوعًا من الإدمان للتكنولوجيا، وبصدد هذا الأمر فلقد ذكر المحاضر والكاتب الملهم سيمون سينك Simon Sinek. «جيل الألفية» هكذا وصف سايمون هذا الجيل وهو على حسب وصفه: مجموعة من الأشخاص ولدوا في عام 1984 وما بعده وأبرز ما يتصفون به:

1- صعوبة الانقياد.

2- الرغبة في الحصول على كل شيء.

3- الأنانية.

4- النرجسية.

5- عدم التركيز.

6- الكسل.

كل هذه الأوصاف لم تأتِ من العدم، هناك عدة أسباب أدت إلى الحال الذي وصل له الأغلبية وتتلخص في الآتي:

1- الأبوة والأمومة.

2- التكنولوجيا.

3- الفتور ونفاد الصبر.

4- البيئة.

بالرغم من أن كل سبب من هذه الأسباب يؤدي إلى السبب الذي يليه، إلا أن موضوعنا يتعلق بالتكنولوجيا لذلك سنقتصر على الحديث عنه. ذكر -سيمون- أن التفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الخلوية يقوم بإطلاق مادة كيميائية تسمى «الدوبامين» (بالإنجليزية: Dopamine) وهو يُؤدي دورًا رئيسيًا في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان. لذلك عندما تستقبل رسالة تشعر بالسعادة، وهذا الشعور هو نفسه الشعور الذي ينتج نتيجة الشرب والمقامرة والتدخين وغيرها.

من ناحية أخرى، هل تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي في الثقة بالنفس أو الرضا والسعاده؟

لقد أشار «سيمون» إلى أن النشأة في عالم قائم على الإشباع الفوري للرغبات؛ ينتج عنه نفاد الصبر لدى هذا الجيل. فكل شيء يمكن تحميله عبر الإنترنت، حتى المسلسلات والأفلام يتم الانتهاء من مشاهدتها قبل عرضها أو حتى انتظار مواعيد عرضها.

وأوضح أن كل شيء يمكن أن يحصل عليه هذا الجيل ما عدا: الرضا الوظيفي والعلاقات القوية، حيث لا يمكن الحصول عليها من خلال تطبيق، ولهذا فلن يشعر هذا الجيل بالرضا الكامل والسعادة الداخلية العميقة أبدًا إذا استمرت حياته بهذا الشكل.

وأضاف «سيمون» فقال: «عند التوتر والقلق يطلب في العادة هذا الجيل المساعدة من جهاز ووسائل التواصل الاجتماعي لأنها تقدم لهم راحة مؤقتة. وهذا يعني أن هذا الجيل يفتقر إلى آليات التكيف والتعامل مع الإجهاد! هذا الجيل يفتقر إلى الثقة بالنفس».

وهذا يفسر الحالة التي وصل لها البعض في واقعنا الآن وهو أن ثقتهم بأنفسهم تتناسب طرديًا مع التفاعلات التي يحصلوا عليها عند تحميلهم لصورهم او مشاركتهم لبعض انجازاتهم او أعمالهم بشكل عام.

على جانب آخر، فلقد ارتكبت مواقع التواصل الاجتماعي جناية بأن كانت سببًا في نقل أحدهم من الصراع الدنيوي ليلقي بحتفه في العالم الأخروي! كيف ذلك؟

بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) بينت أن 1 من كل 3 أشخاص يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي هو طفل، وأن الأطفال يمثلون ثُلث المستخدمين، وأن الجهود المبذولة لحمايتهم من العالم الرقمي ضعيفة، مشيرة إلى أن أكثر من 170 ألف طفل ينضم لعالم الإنترنت يوميا.

وبالنسبة للمراهقين فإن من يقضون منهم 5 ساعات أو أكثر فهم معرضون بنسبة 71% للاكتئاب و التفكير الانتحاري أكثر من المراهقين الذين يقضون ساعة واحدة يوميا.

وأوضحت الدراسة السلبيات الناجمة عن هذه الوسائل للأطفال والمراهقين، وأبرز السلبيات التي بينتها:

1- الاكتئاب.

2- العدوانية.

3- الاضطرابات النفسية.

4- تراجع الذكاء.

5 – العزلة الاجتماعية وغيرها من المشاكل النفسية الأخرى.

كل هذه الدراسات كانت ناتجة عن واقع لهذا الجيل، العديد من حالات الانتحار في مختلف البلدان ثبت أن سببها كان تطبيقات! العديد ممن عانوا من الاكتئاب والأمراض النفسية الأخرى كان سببه تطبيق من صنع أيدينا يدعى الإنستجرام Instagram

وهو الأكثر ضررًا على الصحة النفسية.

وفقًا لتقرير صدر من الجمعية الملكية للصحة العامة في المملكة المتحدة (RSPH) عام 2017.

وأخيرًا، بعد أن علمنا كيف تسلب التكنولوجيا حياتك، فهل هي حقًا قادرة على إرجاعها لك مرة أخرى؟

في الحقيقة، هي قادرة على ذلك. مواقع التواصل الاجتماعي ليست الابن الوحيد التكنولوجيا بل أنجبت لنا التكنولوجيا أداه التصوير والتي تعد بمثابة «آلة زمن».

الرجوع للماضي أمر مستحيل ولكن الصور الفوتوغرافية تعيد لنا الماضي بذكرياته، بل المشاعر أيضا تعود من جديد. فما عجز الزمن عن إرجاعه لنا، تعيده لنا التكنولوجيا بأدوات التصوير.

فهل ثبت فعلا أن للتصوير الفوتوغرافي تأثيرًا عاطفيًا علينا؟

لقد أشارت الأبحاث الجديدة التي أجراها Gal Zauberman استاذ التسويق في كلية Yale للإدارة: «بأن عملية التصوير الفوتوغرافي تسمح للناس بالتفاعل بشكل أعمق معها، مما يؤدي إلى زيادة الرضا».

مما دفعهم على إجراء مجموعة متنوعة من التجارب في الميدان وغيرها من الأماكن.

على سبيل المثال، أرسل اختبار ميداني مجموعة من الأشخاص في جولة بالحافلة في فيلادلفيا، قام خلالها نصف أفراد المجموعة بتصوير صور، بينما لم يفعل الآخرون ذلك. سجل المشاركون في الاختبار ردود أفعالهم بعد كل تجربة، ووجدوا حينها أن من قاموا بالتقاط الصور قد استمتعوا أكثر.

وعلّق Zauberman: «أن التقاط الصور أثناء تجربة إيجابية ستعزز تلك التجربة».

وهذا يفسر بأن التجارب السلبية يمكن لصورة أن تعيد إلينا نفس الشعور مجددًا! لذا احرصوا على التقاطها بشكل جيد وفي تجاربكم الإيجابية.

وأخيرًا فلا شيء ملائكي ولكل مزاياه وعيوبه في هذا العالم فعلينا توخي الحذر حتى لا نجدف في بحر الغربة وتظل أجسادنا هنا تعاني وأرواحنا أسيرة لعوالم افتراضية خالية وخيالية!

 فأنت بالخيار إما أن تحيا وإما أن تقطن الخيال وتترك واقعك لتبحر في ظلمات الغربة وتفتح الباب على مصراعيه للوَحشَة والوحدة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد