هل فريضة الوقت في التفكير الآن هو الترحم على أيام مبارك وسنواته الثلاثين، أم أن ننشغل بماذا؟ ماذا لو تجنبنا الثورة في يناير وظلت البلد مع نظام مبارك، وقبلنا بالتوريث على قاعدة أخف الضررين، ما الذي كان سيحدث بعد ذلك؟!

نتكلم الآن ونسأل هل كان تجنب الثورة ممكنًا في يناير، وأرى أنه ليس هناك فائدةٌ من التفكير فيما كان يمكن أن يحدث، فالمشاكل التي أدت إلى الثورة كانت تراكمية. ومن الصعب أن ترى أنه لو كان النظام قد استمر كما عهدناه، أو كنا نعهده لكانت الأمور ستتحسن؛ لا بل كانت ستسوء حتمًا، ولكن بمعدلٍ أبطأ.

هذه الأيام، لم يعد انشغالنا بالتفكير في شأن مسار الثورة المصرية. همنا الوحيد هو احتواء الضرر الحالي، وهو جهدٌ أكثر أهميةً وإلحاحًا من تخيل ماضٍ مختلف.

في هذا المناخ الذي تسيطر عليه مشاعر الإحباط والندم، يَخلُص كثير من المصريين إلى أن الثورة ضد حسني مبارك كانت وهمًا وخطيئة في حق ذلك النظام المقدس. الشعب قد انتفض بالفعل، ولكنهم يقولون إنَّ الجيش هو من أطاح مبارك.

ولهذا فهل كانت ثورة يناير 2011 انقلابًا عسكريًّا أكثر منها ثورة؟

ربما يكون وضع مصر الآن أكثر قتامةً مما كان عليه في عصر مبارك، ولكننا لا يمكننا معرفة ماذا كان سيحدث لو بقيَ حسني مبارك في رئاسة مصر. إحدى السيناريوهات كان سيكون خلافة جمال مبارك، الابن الطموح لحسني مبارك في رئاسة مصر. ولكن جنرالات الجيش، وكذلك المصريين، كانوا يعارضون ذلك. ولم نكن لنتجنب الثورة بهذا الشكل، فقط كانت ستتأجل لبعض الوقت.

أحيانًا تفشل الثورات، ولكنها نادرًا ما تفشل بهذه السرعة، لم تكد تمر 6 سنوات على إسقاط مبارك، بعد 30 عامًا من حكمه، وها هي مصر تعود إلى ما كانت عليه قبل إطاحته. وجدار الخوف الذي حُطِّمَ بشكلٍ مثير بُنِيَ مجددًا، بشكلٍ أقوى من ذي قبل.

عند عصر يوم 1/7/2013 وبعد بيان الجيش، أدركت تمامًا أن مرسي وجماعته خارج أي تواجد لهم في السلطة بعد ذلك، وقد حدث ما توقعناه يوم 3/7/2013، ولم يكن في الحسبان في أشد التوقعات سوءًا أن تسيل كل هذه الدماء منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم.

ولم نتوقع أن تأتي سلطة إلى البلاد لا تشبع من دماء الشباب، ونصحو كل يوم على قتل وذبح واعتقال ومحاكمات لا يعرفها القانون، واكتظت السجون بالشباب والرجال، وكل هذا لم يحرك في المصريين الدماء لأسباب كثيرة أشدها الخوف من القبضة الأمنية.

ما حدث بعد ذلك أسود بكثير والجميع يعلم، ولكن كانت الأمنيات أن يحيا البلاد والعباد حياة كريمة، وأن يجد الشباب طريقًا لتحقيق أحلامه، وتعيش الأسرة المصرية في سترة من العيش. ولم تكن الأحلام أقل نكسة من الواقع.

ودخلت البلاد في مسيرة من المذابح أعقبها انتخاب رئيس فرض على المصريين قبوله، في انتخابات أشبه بالاستفتاء.

وبدأ الرئيس المنتخب -زعمًا- بقرارات وصلت بها الحال إلى الفشل غير المحتمل في كل القطاعات، وسط تطبيل وتهليل الإعلام المصري الذي ينتمي بكل قطاعاته إلى شارع محمد علي في زمن شهرته بالرقص والفجور.

كانت الطامة الكبرى في هدية مصر بشق ما يسمى بقناة السويس الجديدة، التي أفقرت الدولة في السيولة النقدية للعملة، وأخرجت 9 مليارات دولار خارج البلاد، ولم تجنِ البلاد أي أرباح زيادة على دخل قناة السويس، ولا يخفى على الكثير، أن القناة التي تم حفرها على طول 35 ك، حفرت بنما قناة 83 ك، وتكلفت 5 مليارات دولار (أعطني عقلك).

دخلت الدولة بشبابها وإعلامها في حكم مرسي ضد أخونة الدولة، ورحل الإخوان واستبدلت أخونة الدولة بعسكرة الدولة، وأصبحت الدولة مؤسسة عسكرية يتمتع فيها المواطن العادي ببعض المميزات كالمشي في الشارع، واستنشاق الهواء، أما المواطن السوبر (قضاء – شرطة – جيش) يتمتع بكل مميزات الدولة، وبالطبع الأسرة والعائلات التي ينتمون إليها.

لا أتحدث عن برلمان تشكل عبر الهواتف من مبنى سيادي، فهو برلمان ساقط وفاشل، وأشبه ما يكون بصبيان العوالم في روايات نجيب محفوظ، ولن تجد فيهم صالحًا.

زادت الأسعار، وارتفعت الضرائب، وانتكست الأجور، وتقلصت الأعمال لصالح المؤسسة الحاكمة، وضجر الجميع ورفع الكل صوته يشتكي الحال.

والخيانة أصبحت وطنية، والوطنية أصبحت خيانة.

وتم بيع أرض مصر في سوق النخاسة، وتقبيل الأيادي التي تدفع، وذم من لا يدفع. ودخلت البلاد في حالة من احتكار السلع لم نعرف له مثيلًا. وأصبحت الحرية كلمة ليس لها مرادف على أرض الواقع.

ودخل المنافقون إلى كل مكان، وتعالت أصواتهم، وأصبح الحر خائفًا على نفسه وبيته، والتصفيات الجسدية تتم يوميًّا لزهرة شباب الأمة، ومن خاف على مصيره بالأمس تمنى الرحيل اليوم، وأصبح الجميع لا ينتظر الغد؛ خوفًا من أحداثه.

والجميع ينتظر ويترقب حدوث ثورة، وأنا أقول لا توجد ثورة قادمة؛ بل فوضى قادمة، ومن المتوقع أن يخرج الملايين بلا قيادة موحدة، يشتكون إلى الله سوء الأحوال، وضنك العيش، خاصة ونحن على أبواب قوانين وقرارات ستجعل من حياة الشعب جحيمًا، سواء رفع الدعم كلية، أو غلاء الأسعار خاصة المواصلات.

لن يجد المواطن متنفسًا غير الشارع الذي سوف يخرج إليه الملايين، ونحن نحذر من فوضى يصعب السيطرة عليها، وسوف تشرب الأرض من دماء أبنائها الأبرياء من كل الفئات والأعمار، ولن يكون هناك قيادات على الأرض تستطيع الحديث معها، بل الكل خرج بنفسه، ولنفسه.

وقبل العاصفة ندعو أصحاب الحكمة والرأي للتدخل ولإنقاذ مصر، فبعد الفوضى تصبح اللادولة هي القائمة. وهكذا تكون مصر خارج التاريخ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفوضى, مصر
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

دليلك لقهر المجتمع المصري
شارك 36
مجتمع
منذ 6 أيام
أشرف مروان الجاسوس الخارق
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع