بينما تتوالي دعوات الاصطفاف، وتأتي تترا من كل حدب وصوب، يصحبها أخبار عن مفاوضات استكمال الثورة، أو بمعنى آخر: الخلاص من قائده، فإذا بدموع الندم والتوبة (التي كذبها صاحبها فيما بعد) على تأييد الانقلاب ودماء الشهداء تتجمد في العيون!

ولا شك أن المقصود من توجيه هذه الرسائل هي جماعة الإخوان المسلمين، الذين لا يزالون ما بين سجين، أو مطارد، أو ثائر، في الشارع منذ أكثر من عامين.

بعيدا عن عراك السوشيال ميديا ما بين مؤيد ومعارض ومتحفظ وسباب وشتائم وشروط وضمانات، فكل هذا لا يمثل أكثر من كونه مقياسا لجزء من الرأي العام على هذه القضية.

ولا يمكن لأحد أن يقول نعم أولا، أو يجزم أيهما أصح، ولا يمكن أيضا أن يحكم على مدى نجاح الفكرة أو مدى نضوجها في عقول من ينادون بها، وما هي دوافعهم و كذلك أهدافهم، ولكن ما يمكن الجزم به أنها رسالة موجهة إلى الإخوان، مطلوب الرد عليها؛ فهم عصب الثورة، وهم جمهور الشرعية، كما أنها الفصيل الأكبر حشدا، والأوسع انتشارا، والأقوى منافسة أمام النظام العسكري المنقلب.

وإذا كان الأمر كذلك فلابد للجماعة قبل أن ترد على الدعوة أن تجيب على هذه الأسئلة قبل أن تتحمل المسئولية وحدها مرة أخرى.

أولا ما هي الجماعة ؟ ومن يمثلها ؟ و من يتحدث باسمها ؟ في ظل كثير من الكلام المتداول عن الصراع بداخلها ؟ لمن سيجتمع ويستمع جمهور الجماعة إن خرجت جهتين يتحدثون باسمها؟ وهل يمكن للجماعة أن ترد بقرار صائب صحيح، دون أن تكون على قلب رجل واحد كما كانت؟ وهل يمكن لمن يعاني مشكلات داخلية أن يقضي أو على الاقل يضع حلولا لمشكلات دولة بها ثورة مقطعة الأوصال؟

ثانيا هل قيمت الجماعة تجربتها من بداية الثورة إلى ما بعد الانقلاب جيدا من حيث النجاح والإخفاق، الإيجابيات والسلبيات، ما يمكن التفاوض عليه، وما يمكن التنازل عنه، وما لا يمكن مجرد طرحه للنقاش؛ كي ترد على هذه الدعوات، وتعرف نقاط التقدم والتراجع؟

ثالثا هل رفعت الجماعة واقعها الآن من القوة والحشد والوسائل والمعتقلين والأحكام والمطاردات ونقاط الضعف والقوة وكيفية استغلال ما تبقى لها جيدا دون هدر للطاقات وزيادة في الخسائر؟

رابعا هل تدرك الجماعة وعودها السابقة بعودة الشرعية والقصاص للشهداء بعدما تورطت كل أجهزة الدولة دون استثناء بالقتل والسجن والإعدام والإغتصاب حتى جمهور القوى السياسية، وإن كانت شكلية بالتفويض والمباركة والرقص على الدماء، وكيف سيتلقى ذوو الشهداء والمصابين قرارها على دعوة الاصطفاف؟

خامسا على أي شيء تراهن الجماعة في إسقاط الانقلاب بعدما ذهبت قوتها أمام السلاح والسجن والآلة الحربية الغاشمة؟ و كذلك لم يصدق تنبؤها بوجود سوار الذهب في الجيش المصري كما وعد أحد قادتها (م يوسف ندا) من قبل، فهل لدى الجماعة القوة التي يمكن أن تنفذ بها الوعود دون الدخول في دوامات الدم التي تجنبوها من البداية؛ خشية تدمير مؤسسات الدولة، إن هي رفضت هذه الدعوات، وبقيت وحدها تدفع التضحيات كل يوم؟

سادسا هل لدى الجماعة إجابات على ما سوف تٌسأل عنه من أعضائها ومؤيديها عما حدث قبل ذلك وكيف اتخذت القرارات، ولماذا وصلنا لهذا الوضع (ولاشك أنهم سيسألون قبل قبول القرار أو رفضه)؟ وهل هي تضمن أن يبقى الصف بنفس قوة تماسكه كما كان قبل ذلك (لا أتحدث عمن في السجون) بعدما حدث له من صدمات قوية ومتتالية، ولم يكن كيانها موجودا يعالج آثارها أولا بأول حتى تراكمت؟

سابعا هل لدى الجماعة ضمانات لمؤيديها من خارج الصف لاستكمال الطريق علي ألا تكون التنيجة كما كانت من قبل بالإخفاق، وسفك الدماء المعصومة، وما هي الضمانات التي ستتخذها الجماعة ممن دعاها للاصطفاف؛ ليصدق في وعده، بعدما خانها من قبل، بل الأدهى أنهم شاركوا في قتلهم، وسحق قوتهم، وتركوها في وسط الطريق تخوض المعركة وحدها، وتدفع الثمن من أبنائها وأبناء مؤيديها؟

ثامنا هل لدى الجماعة القدرة على تقديم المزيد من التضحيات؟ وما هي حدود التضحيات كما وكيفا وزمنا؟ أم أنها سوف تظل تنزف وحدها حتى تنتهي، بينما يشرب الآخرون من دمائها ويأكلون لحومها؟

تاسعا هل لدى الجماعة رؤية للتعامل مع مؤسسات الدولة من جديد ومع طوائف الشعب التي طاما طالبت بالقضاء عليها وعملت على إسقاط حكم رئيس أتى من أبنائها، وكيف ستعالج الآثار النفسية في داخلها تجاه هؤلاء، وهل سيقبل الصف حلها لهذه المشكلة العميقة؟

على الجماعة أن تجيب علي هذه الأسئلة جيدا، قبل القرار وتضع لها منهجا تسير عليه؛ كي تستطيع أن ترد على الدعوة بالاصطفاف، دون أن يزداد شقها الداخلي، أو تتكاثر عليها الجراح أكثر مما هي عليه اليوم.

بل على أبنائها أن يتحلوا بالحكمة والصبر والحلم قبل الرد حتى برأيهم الخاص ويطرح على نفسه هذه الأسئلة بواقعه هو، وواقع إخوانه في السجون، وألا تحكمه العاطفة أكثر من العقل فيثور وهو ضعيف، ولا يحكمه العقل أكثر من العاطفة فتضيع قوته التي يمكن أن يكمل بها ثورته.

وفي رأيي، إن لم يكن من المستحيل الإجابة بسهولة، فهي من الصعوبة بمكان ، ولذا ليس أمام الجماعة إلا أن تعلن

  • أنها لا تعطي أي وعود لأي طرف، وبأنها إن أخطأت فقد دفعت ثمن ذلك من أعز ماتملك.
  • أن سبب تمسكها بالشرعية ( الدستور والرئيس ) هو المحافظة على خيارات الشعب و دماء الشهداء، وأن من نزلوا معها كان لنفس الهدف لا دفاعا عنها.
  • أنها توافق على الاصطفاف وتقبل التوبة، وما عدا ذلك يناقش فيه الرئيس بعد عودته ويحتكم فيه إلى الشعب.
  • أنها كيان ثوري مجتمعي لا علاقة له بالحكم أو إدارة شئون الدولة.
  • أنها تنفصل تماما عن حزب الحرية والعدالة المنتخب من قبل الشعب ممثلا في الرئيس والدستور، وأنها جمهور هذا الحزب فقط، وليست وصية عليه.
  • أنها ستبقى في حالة ثورة إلى أن ينفذ الرئيس ما وعد به، وأوله القصاص للشهداء.

 

فهل ستعيد الجماعة برجماتية التعامل مع الأزمات والمستجدات أم سيظل الصمت سيد الموقف والنمطية هي الخيار الاستراتيجي للجماعة المكلومة؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد