أن تكون مبدعًا، يعني أن تكون إنسانًا قادرًا على إنشاء ما هو جديد، وفريد، ومتميز، في أيٍّ من مجالات الحياة؛ ماديًّا كان أو معنويًّا، ثقافةً أو أدبًا، صناعةً أو علمًا، ومتميزًا في أسلوب حياتك، وتفكيرك.

ويظن كثير من الناس أن الإبداع موهبة تقتصر على البعض ممن يملكون سماتًا شخصية معينة، وصفاتًا ثقافية خاصة، أو مَلَكات تفوق ما هو بشري عادي!

فيما يعرف كثير من المبدعين، ويؤيدهم علماء النفس، أن الإبداع قدرة كامنة في كل إنسان، وطاقة تنضوي عليها كل النفوس البشرية، وإن بقدْرٍ متفاوت، فيمكن أن تكون أنت نفسك مبدعًا، بنحو ما.

ويبدو الإبداع، بمعناه العام، ظاهرًا في كثير من نشاطاتنا اليومية، ومن ذلك عبر تواصلنا مع الآخرين، من خلال الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، كتابة يعبر المرء بها عن أفكاره، ومواقفه، ومشاعره، ويتواصل عبر حروفها، وعباراتها، مع الآخرين، بنحو فريد، يميزه، ويؤكد شخصيته.

غير أننا في عالم التواصل الاجتماعي ذاك، نسبح في محيط افتراضي، يذخر بتكتكات تصدر عن ضغطات لا تحصى -بأكثر من نبضات قلوب سكان العالم الحقيقي- على أزرار لوحة المفاتيح، وعلى أجنحة الفارة الرازحة تحت ثقل راحات أيدينا، ونحلِّق في فضاء تنوشه زخَّات من صوت كليكات المؤشرة العمياء، تراوح بين كلمات صامتة، تسمح لك بالإعجاب أو المشاركة أو التعليق، وبين رسوم تعبيرية محدودة الدلالة، ساذجة المشاعر، وجامدة التعبير.

فانحصرت مشاعرنا الإنسانية، في تلك الرسوم الدائرية الباردة، بملامحها الساكنة، وخطوطها المائعة في تكلُّف، لا جمال فيه، فاعتقدها الناس لغة لهم، وجعلوها بديلاً عن مشاعرهم الدافئة والحيَّة والفوارة، فسلبتهم قدراتهم الحيوية على التفاعل الحر، وشعورهم العفوي الطبيعي، وإحساساتهم المخطوطة بلغة ألسنتهم، مؤثرين الضغط بفورية على تلك الرموز الرتيبة، ليزيحوا وجودهم الفريد، وانفعالاتهم الحقيقية، ويضعوا تلك الخطوط السطحية بتعبيراتها الثابتة.

وإن حاول البعض كتابة ما يجول في نفسه، فإن ما يصدر ليس سوى كلمات مبتسرة، محدودة بقواعد العالم الافتراضي التي تولد فيه، فتخرج عبر عملية كتابة قيصرية، سريعة، مختزلة، ونيئة، غير قادرة على أن تنجز ميلادًا طبيعيًّا، تعاني فيه مشقة الإبداع، ومتعة معاينة النص المكتمل متجسدًا.

صارت اللحظات الشعورية الإنسانية، واللانهائية، مُختصرة في مصفوفة من التعبيرات الساكنة، ساذجة الخطوط، ومحدودة الألوان، وباتت بمحدوديتها تلك هي المعبِّر عن إنسانيتنا!

فخفتت درجات مشاعرنا، وبهتت كل الألوان التي تصطبغ بها نفوسنا، وانمحى صوت وجداننا، ومعه ملايين الانفعالات الحية، ونعرف ذلك إذا تمكنا من رصد وتحليل الحالات الشعورية لمائة شخص، ضغطوا جميعًا على نفس الرسم التعبيري، فسوف نجد مائة انفعال، ومائة لحظة مختلفة، ومائة إحساس، وأكثر من ذلك من تعبيرات الوجه، تتفاوت شدتها وطبيعتها بحسب تفرد أصحابها، طمستها جميعًا صورة واحدة، وجمعتهم بآلية فجة في تعبير واحد، وأخذت بهم إلى وجهة تعبيرية واحدة، ومحت تلك اللحظات الفردية وتميزها، ووضعت كل تلك النفوس في حالة مصطنعة واحدة، طبعها التجمد الشعوري، ووأدت إبداعاتها الفردية، وتعبيراتها الشخصية، ولغاتها الخاصة، وتميزاتها الإنسانية.

فغدا البشر، في هذا الفضاء الضيق، كالملايين من عملات معدنية، صيغ على وجهيها النقوش ذاتها، وإن تفاوت رنينها، بين مكتوم وصادح، لكنه يظل في نهاية الأمر، مجرد رنين، ولا صوت غيره.

وقبل أن تندثر قدرتنا على الإبداع والتفرد، فعلى كل منَّا أن يشرع في الخلاص من أسر ذلك الطغيان الافتراضي، لبرهة يقتنصها من نفسه الأمارة بالإنترنت، وليجرب أن يُمسك قلمًا رصاصيًّا بسيطًا، ويدع لعقله، ومشاعره، وقلبه، أن يمضوا به على وهدة صفحة ورقية بيضاء، ويعاني مخاض الكتابة الطبيعية، وليجهد في التعبير عن ذاته المبدعة، ليؤكد حقيقة وجوده النفسي الخاص، ويحمي ذاته من خطر التماهي في ذلك الوجود الأحادي.

وبالنسبة لي، فإني أؤثر قلم الحبر ذا الخزان، أملأه ببطء من زجاجة الحبر، التي تصر على صبغ أطراف أصابعي بحبرها الداكن، ورائحتها الحرِّيفة، وأسافر معه عبر ورقات بيضاء غير مسطورة، ثائرًا على عالم جبري، يحد من أفق خيالي، لأرسم حقائق نفسي، ووهلات مشاعري، وأترك آثارًا من حروف تتوالى كرقرقة الدموع، وكلمات تفيض كنبض قلب شغوف بالترحال.

وكذلك أنت، فلتقم بثورتك على هذا العالم الافتراضي الفاشي في هيمنته، ولتصنع عالمك ومشاعرك بنفسك، بكلماتك، بإحساسك الخاص، لتنقذ ذلك المبدع داخلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد