“بعيدًا عن موقف الفقه الإسلامي المحرِّم لمشاركة الأردن في التحالف الدولي لقصف تنظيم الدولة الإسلامية، وبعيدًا عن التحليلات الإستراتيجية لخطورة وجود تنظيم الدولة على كوكب الأرض، وبعيدًا عما مللتنا به الحكومات من مصالح وماديات تحاول أن تحصدها (لنا)، بعيدًا عن كل هذا!

(١)

أُسر معاذ الكساسبة الطيار الأردني برتبة ملازم أول، وأسقطت طائرته من قِبل تنظيم الدولة الإسلامية، ولكن لمَ يستنكر الناس ردة فعل التنظيم تجاه طيار يقوم بقصفهم؟ هي ردة فعل طبيعية وإن كانت خاطئة في نظرنا!

لن أخوض في مصير معاذ ولا في كل الخزعبلات التي تنشر كل دقيقة عن المفاوضات بشأنه وكأنه دمية، لكنني وقبل أن أتكلم أرسل ألف تبٍّ وتبّ لمن كان السبب في وجود تنظيم الدولة، ولمن أوصلنا لهذه الحالة وأدخلنا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

(٢)

من هو أحمد الدقامسة؟! هو جندي أردني من شمال الأردن، كان يعمل في الجيش العربي في حرس الحدود، وفي ١٢ مارس عام ١٩٩٧، وأثناء تأديته لصلاته سخرت منه مجموعة من الصهيونيات مما دفعه لحمل رشاشه وقتلِ سبع منهن، ثم سُجن بعد أن حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن المؤبد.

إذًا سجين! وإن شئت فقل أسير!

لم يقتل رجلاً من النظام السوري ولا من تنظيم الدولة، بل قتل من المحتل الذي هو عدو الأردن الأول، ولا يناقش أحدٌ في كَذِبِ شرعيتهم.

ومن الطريف أن نذكر هنا أن ملك الأردن السابق -الملك الحسين- ذهب لتعزية أهالي القتلى، بل ودَفَعَ الأردن التعويضات للأهالي.

نعم تعويضات لـ(إسرائيل)، العدو الذي يتفاخر جيشنا بمقاتلته في النكبة والنكسة وحرب الـ٧٣! جميلة أسماء حروبنا :)!

وفي عام ٢٠٠٨ وُجِدَت الكثير من الأصوات الداعية للإفراج عنه، وما زال إلى الآن مسجونًا رغم انقضاء مدة سجنه!

مؤخرًا وَصفَ وزير العدل الأردني الجندي الدقامسة بالـ”بطل”، وعلى الدقامسة أن يكتفي بهذا الوصف من سعادة الوزير!

ثم في عام ٢٠١٤، حدثت حادثة مثيرة جدًا، وهي مقتل القاضي الأردني زعيتر، ومن هنا نقفز للنقطة الثالثة.

(٣)

رائد زعيتر، قاض أردني، استشهد في ١٠ مارس ٢٠١٤، عند الحدود الأردنية الفلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي، ولم يعتبره الجميع (كلنا زعيتر)، ولم نسمع من أجله ضجة إعلامية توازي الضجة التي نعيشها اليوم من أجل الطيار معاذ، أليست إهانة لنا نحن الشعب الأردني؟! أليست إهانة لسيادة الأردن وحكومة الأردن وملك الأردن؟!

كل هذا بعيدًا عن اختراقاتهم المتكررة لمعاهدة السلام الواهية.

ذهب مسالمًا وقُتِلَ قتل المقاتلين. قتل القاضي زعيتر لتبدأ موجة من الاحتجاجات على ما يبدو لم تكن كافية لتصنع حراكًا دبلوماسيًا أو سياسيًا من الحكومة الأردنية، ومنع الأمن الأردني وقوات الدرك المتظاهرين من التواجد في محيط السفارة الصهيونية، ولكنهم عادوا مرةً أخرى للتظاهر ففرقهم الأمن واعتقل عددًا منهم، واعتبر منطقة السفارة منطقة مغلقة وأوقف حركة السير فيها.

تحمَّل ما أصابك سعادة القاضي ونأسف على الإزعاج أيها السيد السفير!
لا أعلم! هل أصبحت إسرائيل صديقة الأردن؟

(٤)

مهلاً! وكأن النظام الأردني يقول: “نحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين”، تذكرنا بأحدهم!

(٥)

ولاستشهاد القاضي ثارت مطالبات من أعضاء البرلمان الأردني في سبيل الإفراج عن (البطل) الدقامسة، ولكن هيهات! ما زال الدقامسة سجينًا وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الحروف، ولم نسمع (كلنا الدقامسة) ولا (كلنا زعيتر)، كلنا معاذ خيرٌ من لا شيء.

قرأت منشورًا لأحدهم يسخر فيه قائلاً: “كلنا الدقامسة

كلنا زعيتر

كلنا ضد التطبيع

كلنا معاذ

#كلنا_كاذبون !”.

قبل أن ندين قتل المدنيين بطائرات التحالف ندين تنظيم الدولة وكل جرائمه التي فعل، وقبل أن يطلب أحد أصحاب الحميّة الجاهلية حربًا بريّة تجر الأردن إلى مستنقع عفن، ندين ونحارب كل فساد في داخل هذا البلد الذي نُخِر نخرًا!

ردَّ الله الحق لأهله! والدعاء لابن الوطن، ولأخي في الدين، وللإنسان الحر حيثُ كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد