حَراك الجزائر

سأستعير من جعفر بن أبي طالب جياشته التي وقفَ بها أمام النجاشي، وأشهد للتاريخ أننا قبل حراك الثاني والعشرين من فبراير، كنا أمة فواحش سياسية، وتجاوزات في حق المال العام، وصلنا لمستوى عالٍ جدًا من استغباء فئات المجتمع، سنواتٌ نُبِذت فيها الكفاءات، ليختاروا قوارب الموْت والكرامة، وأعطُيت المسؤوليات الكبرى والصغرى على أساس الولاء والولاء فقط لأحزاب السلطة.

وككل الشعوب الإنسانية التي لا تستطيع الصمود طويلًا أمام الغضب والظلم والاستغباء كان الحراك. مظاهرات سلمية بالملايين تجوب العاصمة والمدن الكبرى وحتى الداخلية والجنوبية رفضًا للعهدة الخامسة وبعد تعنّت السلطات، ارتفع سقف المطالب إلى تغيير النظام ورموزه وجذوره ومحاسبة كل الوجوه التي تبنّت خطابه. لأنه في النتيجة لا يوجد فرق بين الظالم والجبان.

نقَلنا الحراك من شعور اليأس وإحساس الانسداد والهاوية إلى استرداد الحق في الحلم بالحرية، وأخذ المُواطنة بالأحضان لثاني مرة بعد ثورة التحرير.

وصنع تيارًا ضخمًا جرف معه أحزاب الموالاة وحصانة البرلمان ورجال الأعمال، فتحررت الصحافة الخاصة والعمومية، وتحررت مدرجات الجامعات وأصبحت تناقش الأوضاع السياسية وسنن التغيير ومواد الدستور جنبًا إلى جنب أساتذة وطلبة في مختلف التخصصات الأمر الذي كان حلمًا في زمن النظام السابق. تحررت حتى نقابات العمال والفئات الوظيفية من قبضة قيود قياداتها الموالية، وهُمّشت المنظمات الطلابية التي كانت تساهم في صنع الولاء للنظام السابق كما سيجرف التيار كل من كان مسمارًا لإطار فخامته في الحكم.

يقول مالك بن نبي: «الثورة لا ترتجل! إنها اطراد طويل، يحتوي ما قبل الثورة، والثورة نفسها، وما بعدها. والمراحل الثلاث هذه لا تجتمع فيه بمجرد إضافة زمنية، بل تمثل فيه نموًا عضويًا وتطورًا تاريخيًا مستمرًا، وإذا حدث أي خلل في هذا النمو وفي هذا التطور، فقد تكون النتيجة زهيدة تخيب الآمال… ».

تراكمات عقود من الفساد أوصلت المجتمع إلى هذه اللحظة، التغيير المنشود أيضًا بحاجة إلى تراكمات عكسية تمامًا تبدأ بأخذ الكفاءات زمام الأمور، فلا توجد عصا سحرية ولا ثورة سريعة تأتي بجميع الحقوق، تزيل معها كل ما أفسدته العقود في كبسة زر بلا أية خسائر ولا ثمن، يظل العقل الذي يفكر بهذه الطريقة في رحلة دائرية حول حلمه اليوتيوبي دون أن يجده.

التغيير لا يأتي إلا من أولئك الحالمين الذين لديهم قدرة على القفز فوق مصائبهم والتمرد على واقعهم، وهي الحاملة لرؤية تفاؤلية تجاه مسيرة الإنسان. أي أننا بشكل عام نبحث عن اكتشاف النقطة التي تصبح فيها الأفكار دافعة للتغير ومتسامية على الواقع محركة له إلى الأمام.

يذهب كارل منهايم في كتابه الأيدلوجيا واليوتيوبيا إلى أن:

«الحالة الذهنية تكون يوتوبية حينما تتعارض مع حالة الأمر الواقع الذي تحدث فيه، ويتضح هذا التنافر دائمًا في كون هذه الحالة الذهنية، في الخبرة والفكر والممارسة متوجهة نحو أشياء غير موجوة في الوضع الواقعي

وأن اليتيوبيا تأتي متسامية على الواقع في مواجهة المنظومات القائمة والأيديولوجيات التي ترسخ لوجود الوضع الواقعي، رغم أن كليهما من وحي الرغبة في تغيير الواقع أو معارضته، إلا أن الأيديولوجيا تروم التحقق، أما اليوتوبيا فهي عالقة في اللامكان.

وهذه بدايات التغيير في المسيرة الإنسانية دائمًا تأتي من فكرة يوتيوبية قياسًا بالوضع القائم تعتبر غير قابلة للتحقق إلا أنها إن توفرت الرغبة في تحقيقها وبدأ إيمان الأفراد والمجموعات بها تتحول إلى أفكار تفرض نفسها على الواقع».

وهذا لا يمنع أن هذه الحركة التغييرية حلقة متواصلة مع الاستقلال الذي تم فيه تحرير الأرض لأن الثورة عند مالك بن نبي ليست تحقيق العدالة الاجتماعية فقط، ولكنها هي العمل على استعادة الشعب شخصيته وكرامته، وهي عملية لن تتأتى إلا عن طريق تصفية الاستعمار في العقول، لأن ذلك هو «الاستقلال الحقيقي الذي يبتر كل علاقات التبعية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد