وإنَّ غدًا لناظرِهِ قريبُ!

يا أيها الوطنُ المسافرُ..
في الخطابةِ والقصائدِ والنصوصِ المسرحيةْ
يا أيها الوطنُ المصوَّرُ..
في بطاقاتِ السياحةِ والخرائطِ والأغاني المدرسيةْ
يا أيها الوطنُ المحاصرُ..
بين أسنانِ الخلافةِ والوراثةِ والإمارةِ
وجميعِ أسماءِ التعجُّبِ والإشارةْ
يا أيها الوطنُ الذي شعراؤه
يضعونَ –كي يرضوا السلاطينَ-
الرموشَ المستعارةْ *نزار قباني (1923 – 1998)

الهمة وطموح البدايات

يختلف الناس في أقدارهم، ربما لتفاوت الهمم وارتقاء الطموح، أو لتباين الطباع والقدرة على اقتناص الفرص، وقد يرجع لحسن التموقع أو تأثرًا بالبيئة المحيطة. ترى طبيبًا لم يعشق الطب، ومحاميًا لم تعجبه الحقوق، ومهندسًا لم ترقه دراسة الهندسة، لكن الرابط بينهم وغيرهم التأثر بالبيئة أو خضوعًا لسيف الظروف والأقدار.

إذا نظرت خلفك فلن تتغير النظرة كثيرًا؛ فهذا رجلٌ أخذ عن أبيه مهنة التعليم، وآخر تشرَّب عن والده إنتاج ماء الورد، وثالث كانت أسرته تنتج الفراء. هؤلاء الثلاثة وقفوا مع أنفسهم، لم يدرسوا التنمية البشرية، لكنهم قرروا أن يتخذوا مسارًا يبتعد بهم عن مسار أهليهم، وبعزيمة قوية وصلوا لما أرادوا؛ فالأول زهد في تعليم الصبيان ليحترف السياسة، وبعد سنوات سطر اسمه بين أعلام التاريخ العربي؛ إنه الحجاج بن يوسف الثقفي. والثاني ترك ماء الورد وإن غلب عليه الاسم؛ فأنت تعرفه اليوم باسم الماوردي الإمام العلم، والثالث أبو منصور الثعالبي صاحب فقه اللغة وسر العربية. ثلاثتهم صنعوا تاريخهم بأيديهم وعقولهم، ولم يركنوا إلى تاريخ العائلة أو خمول ذكر آبائهم، وصدق ابن الرومي:

وكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ كما علت برسولِ الله عدنانُ

واليوم نصحب شخصية أخرى من هذه الفئة، انظر إلى والده وقد خلع عليه الدهر قوسًا؛ فاحدودب ظهره وتقاربت خطاه، ولم يترك مهنته التي توارثها عن آبائه. يمشي في كرخ بغداد، يسبح تاريخه قبل ردائه في بحيرات من بقع الزيت، ويريد لابنه أن يسير على منهجه، وأن يحافظ على طريقته وتجارته؛ فهذه التجارة وضعتهم في خانة المياسير من الناس، لكن هيهات فالولد لن يكون زياتًا وإن كان ابن الزيات.

في كرخ بغداد –المركز التجاري في دولة بني العباس، المنبي بأمر الخليفة أبي جعفر المنصور- ولد محمد بن عبد الملك بن أبان بن أبي حمزة الزيات (أبو جعفر) في قصرٍ واسع الثراء، ويرجح أن تكون ولادته بعد جلوس الرشيد على كرسي الخلافة بثلاث سنين (173هـ/ 789م). جاء جده من قرية يقال لها دسكرة، واستقر قريبًا من قصور الخلافة؛ فانتعشت تجارته، ثم تكمن والده من إقامة علاقات قوية بقصر الخلافة، وأصبح المورد الرئيسي للقصر؛ فلم يكن غريبًا أن يدخل ابنه محمد إلى مجالس العلم واللهو بعد ذلك. استقبل ابن الزيات حياته في عهد الرشيد، وتأثر بالحياة الجديدة وتطلعت نفسه لمزيد من الوجاهة والمكانة؛ فعزف عن مجاراة أبيه في تجارته، وأدمن على مزاحمة طلبة العلم والأدباء في بلاط المأمون، وكان شغوفًا بالجلوس إلى عمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف الكاتب، وسهل بن هارون، والفتح بن خاقان، وطاهر بن الحسين، والجاحظ وأضرابهم. 

أخذ اللغة والرواية والأدب عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، وأبي عمرو بن العلاء، وأبي زيد الأنصاري، والكسائي، والفراء، والخليل، وقطرب؛ فصار حجةً في اللغة والأدب. لم يستجب لرجاء أبيه أن يلتفت للتجارة ويطلّق الأدب. مدح الحسن بن سهل بقصيدة؛ فأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما رجع لأبيه فرح به وقال: (لا ألومك بعدها على ما أنت فيه). امتدح الفضل مرة أخرى بقصيدة مطلعها:

لم أمتدحك رجاء المال أطلبه لكن لتلبسني التحجيل والغررا
وليس ذلك إلا أنني رجل لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا

نظر في الناس بعين غير التي ينظر بها أبوه؛ فأدرك بكياسته أن الكتابة في عصره لصيقةٌ بالخلافة، وتأتي بعدها فى الرتبة والمنزلة، فكان إقباله على الأدب بنهم لا ينقطع، وطال جلوسه بين أيدي العلماء والشيوخ؛ ليطول جلوسه في مجالس الخلفاء، لم يستغنِ بعاجلٍ عن آجل، ولم يستخفنّه المكسب السريع، بل آثر المكسب الرفيع، وهو رهان ظفر به بعد حين.

أفاد من مال أبيه في استكشاف معالم الحياة من حوله؛ فعرف الحانات والقيان وأوكار الخنا، وسمع الشعراء والعلماء وأهل الطلاح والصلاح. وجرى الشعر على لسانه؛ فعرفه الناس كاتبًا وناظمًا، ثم استبد به طموحه ليرقى درجات أعلى، وليحقق نجاحات أكبر من مجرد الكتابة ونظم الشعر. تولى الوزارة للمعتصم والواثق وظل بها أوائل حكم المتوكل، وهو أول من تولى ثلاث وزارات متتابعة، لكنه لا يقارن بوزراء اليوم؛ فهم أطول منه بقاءً في مناصبهم، وأقل منه شأنًا وشأوًا. أول وزارة لابن الزيات جاءته في عمر السابعة والأربعين، وزر للمعتصم سنة 220هـ، ونكب في ولاية المتوكل سنة 233هـ/ 847م.

وزارة ابن الزيات

يقف الحظ في صف كثيرين، لكن وقوفه المؤقت يحرجهم وربما يجهز عليهم؛ فإن لم يشفع المرء حظه بمهارات وملكات تعزز مكانه الجديد، فإن أفول الحظ سيكشف عن فراغٍ عملاق، وربما يفضي إلى إقصائه سريعًا. تصرف طائش أهوج يكفي للإطاحة بالرجل، وكلمة في غير موضعها تعصف بسمعته، وقتل رجل وتقطيعه في قنصليته يقلب موازين الحكم ويعيد ترتيب الأدوار وموازين القوى. العاقل لا تتلاعب به الأهواء، ولا يترك نفسه نهبًا لمطامعه، ويدرك يقينًا أن الحظ وحده لا يكفي، وأن السيف وحده لا يخضع له الرقاب، وأن المنشار الذي قطّع جثمان خاشقجي سيقطع أوصال سلطان قاتليه، وسيبدد أحلامهم بسرعة تفوق توقعاتهم ويقضي على آمالهم.

تجمع كتب التاريخ أن الحظ قد لعب دورًا كبيرًا، وساعد ابن الزيات في الوصول لمركز الوزارة، وقبل أن يبتسم له الحظ راش ابن الزيات سهامه، وتجهز بالمهارات المطلوبة لاقتناص الفرصة واهتبالها؛ فلما أمكنته الظروف من فرصته وثب عليها وأحسن اغتنامها. تولى الوزارة للمعتصم والواثق وظل بها أوائل حكم المتوكل، وهو أول من تولى ثلاث وزارات متتابعة، لكنه لا يقارن بوزراء اليوم؛ فهم أطول منه بقاءً في مناصبهم، وأقل منه شأنًا وشأوا. أول وزارة لابن الزيات جاءته في عمر السابعة والأربعين، وزر للمعتصم سنة 220هـ، ونكب في ولاية المتوكل سنة 233هـ/ 847م. بولاية ابن الزيات للوزارة، يكون المعتصم قد أحيا سنة أخيه المأمون بتقليد الوزارة إلى كاتب، وكان لا يتولاها في عهد المأمون إلا من جمع أسباب الفضل، وذهب في الأدب كلَّ مذهب.

جمّل ابن الزيات نفسه للمنصب الوزاري برجاحة عقل، وسعة علم، وقوة إدراك، ونفاذ بصيرة، وحسن فطنة؛ فهذه مؤهلاته في السيرة الذاتية لمنصب الوزارة. لم يحتج أن يقدم سيرته على الموقع الإلكتروني لحكومة عادل عبد المهدي، لكنه تأهب للمنصب بمواهب إلزامية، وركب مال أبيه مطية لآماله العريضة؛ فتحقق ما صبت إليه نفسه.

واتفق المؤرخون -عدا الطبري- في رواية دور الحظ مع ابن الزيات؛ فيقول ابن خلكان: «كان أحمد بن عمار بن شاذي البصري وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض العمال؛ فقرأه الوزير عليه، وكان في الكتاب ذكر الكلأ: فقال له المعتصم: وما الكلأ؟ قال الوزير: لا أعلم! فقال المعتصم: خليفةٌ أمي ووزير عامي! وكان المعتصم ضعيف الكتابة؛ فقال: أبصروا من بالباب من الكتاب؛ فوجدوا محمد بن الزيات؛ فأدخلوه عليه؛ فقال له: ما الكلأ؟ قال: الكلأ العشب على الإطلاق؛ فإن كان رطبًا فهو الخلا، وإن كان يبس فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات؛ فعلم المعتصم فضله فاستوزره وحكمه وبسط يده».

ولي ابن الزيات الوزارة في خلافة المعتصم، ولم يكن المعتصم على قدرٍ من العلم أو الأدب أو الثقافة، بل كان لا يجيد الخط على قول بعضهم؛ فأطلق يد وزيره ابن الزيات في كل صغيرة وكبيرة، وحكم ابن الزيات -وفق الظروف المحيطة- حكمًا مطلقًا، وتجبر دون أن يخشى مساءاة أو رقابة. مهد لهذا الجبروت خمول المعتصم مقارنةً بأخيه المأمون وأبيه الرشيد، وتركه مقاليد الأمور في يد وزيره، وأراد الوزير أن يسوس الناس بالحزم والشدة، وعند التناهي يقصر المتطاول.

يروي صاحب شذرات الذهب نفس القصة، وعلى منوالهما نسج صاحب هبة الأيام، إلا أن الطبري -وعنه أخذ ابن الأثير- انفرد بأن ابن الزيات تولى الوزارة بعد الفضل بن مروان، وقد ضاق المعتصم بتصرفات الفضل وعزله وأقام ابن الزيات مكانه. وثمة رواية أخرى تقول إن المعتصم سأل جلساءه يومًا عن سبب تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينين؛ فلم يحر أحدهم جوابًا، وصرخ المعتصم: عليَّ بابن الزيات، فأقبل وأجاب: إنه ذو الاستحقاقين؛ استحقاق ما لجده في مال الدولة، واستحقاق ماله في دولة المأمون. وكان هذا الجواب وأمثاله يرفع من قدر ابن الزيات عند الخليفة، ويلهب في الوقت نفسه صدور شانئيه عليه، ومنهم القاضي أحمد بن أبي داود الإيادي. كان ابن الزيات يقول: (إرجافُ العوامِ مقدمةُ الأحداث)؛ فكان يحاول التلطف في أول الأمر معهم، ثم انتهج سبلًا أخرى لإخضاعهم وتسكين ثائرتهم.

علاقته بالقاضي ابن أبي داود

كانت علاقة ابن الزيات جافة وفجة أحيانًا مع ابن أبي داود، وكانا يتنازعان المكانة بين يدي الخلفاء، ويتصيد كلا منهما للآخر الهفوات والسقطات، والمعاصرة حجاب. من ذلك أن الخليفة الواثق قال لبن أبي داود يومًا: إني حنثت في شيء فعلته؛ فما كفارته؟ قال ابن أبي داود: مئة ألف درهم؛ فاندفع ابن الزيات يقول: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين). قال القاضي: صدق، وهذه كفارة لا تكون عن أبيه، وإنما تكون الكفارة على قدر المعرفة بالله، ولا نعلم أحدًا أعرف بالله من أمير المؤمنين؛ فأخرج الواثق المئة ألف درهم. كان ابن الزيات أديبًا ناقدًا وشاعرًا مجيدًا، وقد أكثر من الغمز واللمز بابن أبي داود في شعره، وقد شكك ابن الزيات في نسب ابن أبي داود القاضي لقبيلة إياد، وطعن في نسبه طعنًا صريحًا.

ونظم ابن الزيات قصيدة من تسعين بيتًا كلها في هجاء ابن أبي داود. لم ينخرط الجاحظ في هذا العداء ولم يتحيز لأحد الرجلين؛ فأهدى كتابه «الحيوان» لابن الزيات، وأهدى كتابه «البيان والتبيين» لبن أبي داود، ونال خمسة آلاف دينار على كل كتاب، ثم ترك بغداد بعد نكبة ابن الزيات، ولم تطب له الحياة بها. قبل خروج الجاحظ من بغداد، اقتيد مكبَّلًا بالأغلال إلى مجلس ابن أبي داود، وكانت له قصة نأتي عليها لاحقًا.

قال ابن أبي داود لابن الزيات في مناظرة: أضوى (كلمة نبطية بمعنى اسكت)؛ فقال: والله ما أنا نبطي ولا دعي؛ فأجابه ابن أبي داود: ما دونك أحد فتنزل إليه، ولا فوقك من يقبلك فتنتهي إليه. عرف قدر ابن الزيات عدد من كبار الأدباء والشعراء؛ فمدحه أبو تمام، وأهداه الجاحظ كتاب الحيوان، ثم امتدحه أبو عبادة البحتري، وتودد إليه أبو عثمان المازني شيخ النحاة، والحسن بن وهب وغيرهم. كان ابن الزيات حريصًا على أموال الدولة حرص أبي جفعر المنصور المؤسس الحقيقي لدولة بني العباس عليها، وهذا ألهب صدور الكثيرين على ابن الزيات، أمثال القاضي ابن أبي داود وعبد الله بن الحسن الأصبهاني وصديق ابن الزيات المقرب إبراهيم بن العباس الصولي. بل كان ابن الزيات يقتر في العطايا لإخوة الخليفة؛ فكان يعطي أقل القليل للواثق وهو ولي العهد، ثم تولى الواثق الخلافة وغفر لابن الزيات، وجاء المتوكل بعده ولم يغفر لابن الزيات؛ فأدخله التنور ونكبه. كلما ارتفعت مكانة ابن الزيات زاد حنق ابن أبي داود حتى أقعه في الفخ يومًا؛ فزين ابن أبي داود للمتوكل الخلاص منه، وكانت نكبة ابن الزيات ونهايته على يد غريمه الأول ابن أبي داود القاضي.

نكبة ابن الزيات (233هـ/ 847م)

تقلد ابن الزيات الوزارة، وابتدع لها طقوسًا دبلوماسية لم يعرفها سابقوه؛ فاتخذ لنفسه ملابس خاصة، وأحاط نفسه بعدد من الحرس الشخصي، ولبس الدراعة السوداء والسيف بحمائله، وكان الفضل منعه من لبسهما قبل ذلك، لكن من يمنعه اليوم وهو الوزير المتصرف في شؤون الدولة. اتخذ الشدة منهج حكمه ولسان حاله، ونسبت إليه مقولة (الرحمة خورٌ في الطبيعة وضعفٌ في المنة، ما رحمت شيئًا قط). اتخذ ابن الزيات وسيلة جديدة لعقاب المتطاولين على سلطان الخلافة، والطامحين لمناصب قيادية فيها، ولتأديب المعارضة والناشطين الحقوقيين، وكل من تسوِّل له نفسه التفكير في الإصلاح أو المناداة بتحسين الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.

لم يتخذ ابن الزيات منشارًا لتقطيع الجثث، أو حمض الهيدروفلوريك أو الهيدروكلوريك لإذابة الجثث، لكنه اتخذ وسيلة عقاب مستحدثة في عصره؛ فالتصقت باسمه ليعرف في التاريخ بلقب «صاحب التنور»؛ فكان يضع الرجل في تنورٍ من الخشب تتوسطه خشبة صغيرة يجلس عليها الشخص ليلتقط أنفاسه، لكنه سرعان ما يقوم متألمًا، ليجد المسامير المدببة الأطراف للداخل تنهش لحمه، وربما تصل إلى عظمه؛ فإن صرخ متوسلًا راجيًا الرحمة، جاءه صوت ابن الزيات: (الرحمة خورٌ في الطبيعة وضعفٌ في المنة، ما رحمت شيئًا قط).

يروي صاحب الأغاني أن حساد ابن الزيات طعنوا عليه في دينه لهذه المقولة، ولما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني! فأجابوه: وهل رحمت شيئًا قط؛ فترحم! هذه شهادتك على نفسك، وحكمك عليها. أدانوه من فمه -كما يقول سقراط- وأفحموه وعالجوه بداءٍ أفشاه في الناس قبلهم.

لم ينكر نسب تلك المقولة لابن الزيات إلا صاحب أمراء البيان، لكن الواقع المنقول عنه يؤكد أنه استحدث للتعذيب وسائل غير معهودة، وابتكر للعقاب والتنكيل ألوانًا من البطش، وعرفه التاريخ بلقبه البشع (صاحب التنور)، وقد استعمل التنور في الترهيب والتعذيب، ويصف ابن خلكان التنور فيقول: وكان ابن الزيات قد اتخذ تنورًا من حديد، ومساميره المحددة إلى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، وكان يعذب فيه المصادرين وأرباب الدواوين المطلوبين بالأموال، فكيفما انقلب واحد منهم أو تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك أشد الألم، ولم يسبقه أحد إلى هذه المعاقبة، وكان إذا قال له أحد منهم: أيها الوزير! ارحمني! أجابه: الرحمة خورٌ في الطبيعة.

كان ابن الزيات يُغلِظ القول للمتوكل وهو ولي العهد؛ وبلغ السيل الزبا والسكين العظم؛ فقال المتوكل يومًا: «قد تمَّ عليَّ من هذا الكلب كلَّ مكروه؛ فإن أفضت الخلافة إليَّ فقتلني الله إن لم أقتله». هذا القسم قد حلف به الواثق قبل المتوكل، لكن الواثق كانت فيه مُسْكَةٌ (عقل ورأي)؛ فعلم أن الوزارة في حاجة لمواهب ابن الزيات، أما المتوكل فلم يعبأ بشيء وعاقب ابن الزيات سريعًا.

لما وضعوه في التنور، قال له المتوكل: أجرينا فيك حكمك في الناس! يأتي الجزاء من جنس العمل، وكما تقول العرب (يداكَ أوكتا وفوكَ نفخ)؛ فقد جاء دور ابن الزيات ليدخل التنور، ويصرخ ويصرخ متوسلًا الرحمة؛ فيضحك عدوه اللدود أحمد بن أبي داود، ويقول له كلمته الأولى: (الرحمة خورٌ في الطبيعة؛ أليس هذا قولك؟!) وظل في التنور إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ونبشت الكلاب قبره وأكلته؛ فأسدل الستار على حياة ابن الزيات بعد أربع عشرة سنة في مقعد الوزارة، بدأت بالتكريم والسرور، وانتهت بالتعذيب والتنور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد