أخيرًا عرض عليّ أن أشارك في انتخابات وانضمام إلى حزب سيتم إنشاؤه في المستقبل القريب، رفضت قطعًا، والسبب هو ما نراه اليوم من نزاعات ومعارك بين الأحزاب السياسية، أنا لا أخوض معركة لا رابح فيها ولا خاسر لا أخوضها وضد من؟ هل ضد أنفسنا؟ أم فاسدنا وظالمنا؟

أنا لا أنضم إلى أحزاب، كل حزب بما لديه فارح وآخر همه انتزاع حق المظلومين من الظالمين، همه كم انضم إليّ وكم صوت لي؟

وفي نفس الوقت الذي نحسب كمنا، يموت فقيرنا ويجوع مسكيننا وتنتزع حقوقنا. لا بد أن نعمل لأجل مصلحة واحدة وإن اختلفت أساليبنا، وأسامينا، وألواننا، وظروفنا الاجتماعية لأجل وطن واحد لا أوطان. لا بد أن ننقذ المظلومين قبل أن يقتلهم الظلم.

ولا بد أن نقف صفًّا واحدًا لمقاومة الفساد كما هو  في السنة الحث على مقاومة الفساد السياسي، حثًا تصل به إلى جعله أعلى منزلة من جهاد الكفار المعتدين، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفضل الجهاد: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وذلك لأن فساد الداخل هو الذي يمهد السبيل لعدوان الخارج.

كما حفلت نصوص القرآن والسنة بشن غارة هوجاء على الظلم والظالمين، واستحثاث المظلوم أن يقف ضد ظالمه، يسترد منه حقه ولا يستكين له، فالإسلام رفض النفسية المستكينة الكسيرة الذليلة، بل واعتبرها نفسية مدينة آثمة، يقول الله تعالى: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ».

ويشتد نكير القرآن على الذين يقبلون الضيم، ويرضون بالإقامة في أرض يهانون فيها ويُظلمون، ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها، فيقول: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا».

ويغرس الرسول صلى الله عليه وسلم في نفس المسلم رفض الظلم، والتمرد على الظالمين، ويجعل ذلك نشيدًا يوميًّا للمسلم يجهر به في قنوته في الصلاة: «نشكرك الله ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك».

أردف أحدهم إن الاستهانة بكرامة الشعب منكر أي منكر، وتزوير الانتخابات منكر أي منكر، والقعود عن الإدلاء بالشهادة في الانتخابات منكر أي منكر، لأنه كتمان للشهادة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله منكر أي منكر، وسرقة المال العام منكر أي منكر، واحتكار السلع التي يحتاج إليها الناس لصالح فرد أو فئة منكر أي منكر، واعتقال الناس بغير جريمة حكم بها القضاء العادل منكر أي منكر، وتعذيب الناس داخل السجون والمعتقلات منكر أي منكر، ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها منكر أي منكر، وتملق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم منكر أي منكر، وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين منكر أي منكر.

وهكذا نجد دائرة المنكرات تتسع وتتسع لتشمل كثيرًا مما يعده الناس في صلب السياسة. فهل يسع المسلم الشحيح بدينه، الحريص على مرضاة ربه، أن يقف صامتًا؟ أو ينسحب من الميدان هاربًا، أمام هذه المنكرات وغيرها خوفًا أو طمعًا، أو إيثارًا للسلامة؟

وفي سياق ذم القرآن الأقوام الذين أطاعوا الجبابرة الطغاة وساروا في ركابهم نجد قوله تعالى عن قوم نوح ذمًّا وتوبيخًا لهم: «وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا». وعن قوم هود: «وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ».

فاعتبر القرآن سير المظلوم في ركاب الظالم واستكانته له مما يقتضي الذم والتوبيخ، بل جعل القرآن مجرد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجبًا لعذاب الله: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ». حتى العجزة والضعفاء قال الله تعالى في شأنهم: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ».

فجعل ذلك في مظنة الرجاء من الله تعالى، زجرًا عن الرضا بالذل والظلم ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد