الثورة تشبه أي مشروع تريد أن تبدأ في تنفيذه، تحتاج إلى استعداد ويجب أن تمتلك رؤية وتُخطط لها مسبقًا، ولها رأس تحركها وتدير أمورها وتمثل مصالحها وتتحدث باسمها .

ما وصلنا إليه الآن ليس نهاية تامة لثورة يناير، فهي لم تصل لمرحلة الفشل النهائي بعد ولا تزال استعادة روحها ممكنة لأنها لم تمت، بل حُجبت وراء ضباب كثيف يمكن أن ينقشع .

من فشل في يناير هم النخبة بمختلف أجيالها واتجاهاتها – ليبرالي وإسلامي ويساري- فقد فشلوا بامتياز في وضع الطريق الذي يحقق أهدافها، فما إن سقط رأس النظام حتى تفرقت بهم السبل، ومضى أكثرهم في طرق متعارضة ووضع كثير منهم مصالح أحزابهم وجماعتهم وطموحهم – أحيانًا أطماعهم الشخصية- فوق مصلحة الوطن .

لذلك عزيزي المواطن الناقم على الوضع الآن والمتحسر على ضياع ما حققته في يناير وتريد أن تعيد أمجادها هناك أمور لا بد أن تعلم عنها الكثير قبل أن تثور.

فرغبتك في إسقاط أي نظام فاشل مربوطة بمدى اكتمال رؤيتك ووضوح هدفك، فلا يكفي حفظ الهتافات وترديد الشعارات لأن عليك أولًا أن تقرر ما هي شكل الدولة التي ستثور من أجل الوصول إليها، وما هي ملامحها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأي سياسات حكومة تود أن تراها.

لا يُشترط لكي يصبح المواطنون قادرين على التغيير أن يصبحوا كلهم زعماء سياسيين أو خبراء اقتصاديين، لكن لا بد أن يمتلكوا الحد الأدنى من الوعيّ الذي لا يسع المواطن القادر على إحداث تغيير أن يجهله .

إن أهم ضابط يمكن أن يُوقف طغيان السلطة هو منظمات الدولة ومؤسساتها ومدى توزيع الاختصاصات والأدوار بينهما بشكل عادل يحقق المصلحة، لكن جميع الأنظمة التي توالت على مصر منذ قيام الجمهورية وحتى هذه اللحظة تُبقي على فكرة تعدد الهيئات، ولكن لا تتوزع فيها السلطة توزيعًا عادلًا، وإنما تُميز إحدى الهيئات وتمنحها اختصاصات واسعة تجعل منها هيئة مسيطرة على باقي الهيئات الأخرى، ويتجلى ذلك بشكل كبير في المؤسسة العسكرية المصرية، وما تمارسه من اختصاصات خارج المعسكرات العسكرية حتى أصبحت واصية على كل مؤسسات الدولة – شرطة وقضاء وباقي المؤسسات المدنية- فلا يستطيع شخص في أي مؤسسة أن يبدأ في تنفيذ أمر قبل أن يأخذ إشارة البدء من القادة العسكريين، وباستمرار هذا الخلل في المهام سنصبح دائمًا في ذيل الأمم التي لم تصل إلى مجدها هذا إلا بعد تطور طويل توصلوا فيه إلى أهمية جَعل السلطة العسكرية تابعة للسلطة المدنية وليس العكس .

أي مجموعة من البشر خاضعة لسلطة ما، تريد دائمًا من هذه السلطة أن تحقق لها العدالة من حيث توزيع الخدامات والدخول والالتزامات، فلا يجوز مطلقًا أن تميز بين فئة على حساب الأخرى، وهذا ما عانينا منه على مر التاريخ في مصر فتوزيع الخدامات يأتي بشكل رأسي تحصل منه المؤسسات التي تساعد على بقاء الطاغي في كرسيه نصيب الأسد، فقارن بين الامتيازات التي يحصل عليها خريج الكليات العسكرية وخريج الكليات الحكومية، أو ما يحصل عليه معلم من المفترض أنه يبني الأجيال وبين وكيل نيابة أو قاضٍ لا يقدم شيئًا للوطن إلا أنه يزيد من عدد القابعين خلف قضبان السجون .

قبل أن تثور وتسقط النظام عليك أن تمتلك الرؤية الواضحة للنظام الذي ترى فيه تحقيقًا لأحلامك، فالنظام السياسي يتكون من ثلاثة أركان رئيسية، سلطة وضع القانون (تشريعية)، وسلطة إصدار الأحكام (قضائية)، وسلطة تنفيذ القرارات (تنفيذية)، وينقسم إلى ثلاثة أنواع: نظام رأس مالي كامل كما هو الحال في (أمريكا والبرازيل وإندونيسيا)، أو نظام برلماني فيه منصب الرئيس أو الملك شرفيًّا فهو يرأس ولا يحكم كما هو الحال في (بريطانيا وماليزيا وتركيا)، أو نظام مختلط برلمانيًّا رئاسيًّا كما هو الحال في (فرنسا والبرتغال وفنلندا) .

وأي مجتمع توجد به سلطة اقتصادية تسيطر على الإنتاج وعلى توزيع الثروات وفي جميع البلاد تعطي الدولة اهتمامًا وجهدًا كبيرًا للمشاكل المتعلقة بالإنتاج، والنظم الاقتصادية ثلاثة أنواع: نظام رأس مالي، ونظام اشتراكي، ونظام مختلط رأس مالي اشتراكي.

ضع أمامك الوضع الذي تراه مناسبًا للتطور حتى تكون لديك القدرة على أن تختار من يحقق لك هذا، وتنضم للكيانات التي تسير في نفس طريقك، وعندها سيكون التغير إيجابيًّا ونتفادى ما فشلنا فيه مسبقًا.

لعل أسوأ ما جعل تجربة الأحزاب في مصر فاشلة حتى الآن هما عاملان رئيسيان، أولهما بسبب تبني النظم السابقة نظام الحزب المسيطر الذي يسمح بتعدد الأحزاب نظريًّا دون أن يصل دور هذه الأحزاب إلى حد تبادل الحكم مع الحزب المسيطر.

والعامل الآخر هو عدم قدرة الأحزاب على الربط بين الإدارة السياسة من انتخابات وتشريعات ودستور وبين الهموم المعيشية للمواطن لذلك انفصلت عن المواطنين وحملوا أنفسهم بُغض الشارع الذي صنع الثورة، وأصبحت على شكل منظمات لا تشعر الحكومة أمامها بالمسئولية كما أن المواطن لا يرى فيها ما يجسد ويعكس خياراته الاجتماعية ومتطلباته الاقتصادية، فأصبح لدينا ما يقرب من أربعة وخمسين حزبًا أقصى ما يملكونه هو مقرًا وجريدة!

وسارت تتكون النخب بشكل سافر فأصبحت نخب تقليدية إما من أبناء العائلات والأعيان والبيوت السياسية وإما من أصحاب المال والنفوذ.

عليك أيها الناقم الثائر أن تدرك أن الغضب واليأس والرغبة في الانتقام لا يكفي لأن يحدث تغييرًا، فالدولة الناجحة ليست منحة بل هي ظاهرة تحتاج إلى جهد عالٍ ووعيّ كامل لبنائها وتشكيلها، وبدون اكتمال الرؤية أمامك تصبح مجرد شخص حالم، أما عندما تحدد طريقك بوعيّ وتتفادى عقباته تكون لديك القدرة على هزيمة الاستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد