ساحات محكمة الأسرة تشهد على كثير من الوقائع التي توضح مدى عمق الفجوة بين الرجال والنساء في مجتمعنا المصري، ورغم أن قضية التحرش هي الأبرز، إلا أن قضية التحرش الحياتي المستمر بين الزوج والزوجة هي الأعمق، هي التي تضرب بجذورها في مستقبل أجيال، لا تتربى، بل تحمل بداخلها بذور العنف الأسري، أو بمعنى أدق الخوف منه، والخوف هو المسبب الأول للبحث عن مصدره «علك تتجنبه» لينتهي الأمر بزوجين يبحثان عن مصدر القلق للتعامل معه كما التعامل مع الحبة في الوجه، بأسلوب «الفعص» أملًا في القضاء عليها، ليصل الأمر إلى قضاء أحدهما على الآخر.

عندما تمر في ساحات محاكم الأسرة ستجد أن أغلب المقيمين فيها من صغار السن، والسبب لا يرجع إطلاقـًا إلى كون القدماء من جنس البشر كانوا أكثر ذكاءً وحكمةً، بل لأن الأحدث أصبحوًا أكثر رؤيةً بعد انفتاحهم على العالم، وأقل صبرًا بمعاناة ربما يرون أنهم سيكونون بدونها في حياة أفضل، ببساطة أصبحت الصدور تضيق أكثر.

سأتطرق في مقالي لأزمتين، الأولى الرجل العصبي الشتام، والأخرى المرأة المسيطرة، وإن جاز لي أن أقول ذلك، فكلاهما ملف واحد لا يتجزأ.

أذكر حديثي مع أكثر من فتاة والذي وصل بنا إلى عبارات متكررة: «أنا هشتغل وأعتمد على نفسي، الرجالة مبقاش يعتمد عليهم» هكذا أصبحت تنظر كثير من الإناث إلى كثير من الذكور، «أنا لما هو يمشي ويسيبني أبقى أنا قاعدة كدة مش عارفة أتصرف» نفس فكرة السعي نحو «فقع الدمل» التي تنتهي بانتشار محتواه لتصبح الحياة «دملا» كبيرًا ملتهبًا.

العادي الآن أن أصبحت المرأة شريكـًا «بالإجبار» في كل شيء، فهي على قدم المساواة مع الرجل، إما لطبيعة الحياة القاسية، وإما لأنوثتها «المتغابية»، وهو أمر عكس سير الحياة الطبيعي الذي خلق الله به البشر، وأذكركم بقول رب العالمين في قرآنه الكريم «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا».

وبما أني ذكرتكم بقوله تعالى، فلنحلل، فهنا تبدأ الأزمة، المرأة لا ترى في الرجل قوامة، وقد تكون على حق في بعض الأحيان؛ فمن الرجال من لا تنطبق عليهم شروط القوامة فعلًا، ولكن الأزمة الحقيقة أن المرأة أصبحت لا ترى بل «تستكبر» أن يكون الرجل قيمًا عليها، فهي «مساوية» له في الحياة، وهو قول مغلوط جملةً وتفصيلًا.

نأتي للفقرة الثانية، «بما فضل الله بعضهم على بعض» وهنا كانت الآية القرآنية واضحة الدلالة في الإشارة إلى أن بعض الرجال يكونون قوامين على بعض النساء، فالاستثناء هو أمر موجود في الحياة البشرية، ولكن للاستثناء قاعدة، دارسو القانون على دراية بها، وهي أن «الاستثناء لا يبنى عليه ولا يتوسع فيه»، وتلك أزمة أخرى.

الأزمة الثالثة والتي نصل بها إلى محاكم الأسرة، «بما أنفقوا» في حين أن جزءًا من قوامة الرجل على المرأة تكمن في شق الإنفاق، أيًّا كان حجم الإنفاق، طالما أنه يصل لحد الكفاف، وطالما أن الظروف لا تجبر المرأة على العمل فهي ليست مضطرة لذلك، وإنما تحول الأمر الآن إلى رغبة جامحة من المرأة للعمل ولإثبات الذات وتحقيق الملذات على حساب دورها الأصلي في الحياة، أنا مؤمن بعمل المرأة في تخصصات محددة وفي أماكن محددة لا يصح الأمر فيها سوى للمرأة، ومؤمن بحق المرأة الاستثنائية في أن تظهر للنور، وبحق المرأة في العمل استثنائيًا لظروف زوجها المادية السيئة، وإنما أن يكون العمل مباحًا من أجل المساواة، هذا خطأ شائع مؤداه سيئ.

حينما يجتمع في منزل رأسي حربة سيتصادمان، كل منهما بأسلوبه، الرجل بخشونته، والمرأة بكيدها، ليصل الأمر إلى معارك ربما تكون دامية بعد ذلك، والوقوف في محاكم الأسرة أيضًا.

عندما لا يستطيع الرجل «السيطرة» على الأنثى –والسيطرة أمر طبيعي متعلق بتكوين الخلقة البشرية من خضوع المرأة للرجل طوعًا أو جبرًا «بلين» إن تطلب الأمر– ويعجز عن ذلك لكونها أصبحت مستقلة ولها طموحات، وما إلى ذلك من العبارات الرنانة التي نسمعها دومًا من الإناث، ليجدها تجادل في أمور لا تطابق المنطق وذلك من باب المجادلة وإثبات الذات، ليفقد رزانته وبسمته ويفتح الباب لخشونته، هنا تبدأ الحرب، وهنا تبدأ النهاية في الإعلان عن نفسها، وحياة كريهة.

أزمتنا الحقيقية تكمن في عدم استيعاب كل منا لأصل خلقته وفطرته، وأزمتنا أن الأنثى ترى في الرجل كائنًا أرقى تحاول المساواة به رغم تعمدها التركيز على مساوئه، ورغم أن الأنثى ككيان هي مخلوق متفرد بنوعه وصفاته وحقوقه وواجباته، ولكن للأسف لا تجد متحدثة عن حقوق المرأة إلا وترى في ارتداء «الكاسي العاري» وإبراز الأنوثة الشق الأعظم من حرية المرأة، كما أن طموحها وحياتها هم الشق الآخر.

هناك عبارة شهيرة ربما تكون حلًّا للأزمة فقد قال القائل: «كوني له أنثى يكن لك رجلًا»، وأيضًا نضيف «كن لها رجلًا وتمنى أن تكون هي أنثى» وإن لم تفعل، انس.

النسيان شق مهم في الحياة، ولكن التركيز عليه هو الغباء بعينه، فبمجرد أن تختار أن تنسى وتبدأ في إصدار إشارات لعقلك بالنسيان ستكون بالضبط كمن يضع ملحًا في جرحه وينتظر أن يختفي الألم.

أخيرًا، أحتاج أن أقول إننا في الأغلب أصبحنا مشوهين نفسيًّا، مشوهين في العلاقة الإنسانية الكبيرة المتعلقة بالزواج، كل منا مشوه في ذاته، وتشوهاتنا تتسبب في فساد علاقاتنا.

لذا، استخدموا الهجر حينما يكون أقوم من العيش على فوهة البركان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد