“ألسنا سنعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها”. محفوظ مرة أخرى وعنوان شديد الإيحاء مرة أخرى (الشحاذ).

والبداية من تلك الجملة التي قالها أحد الموكلين لعمر الحمزاوي المحامي وبطل الرواية ففجرت داخله شعورًا بالخواء واللاجدوى. “كل شيء يفنى، الحب، السعادة، الأمان”.

ما هو معنى الحياة؟ ما جدواها؟ ولماذا علينا أن نبدأ أي شيء ما دام سينتهي ويضيع في النهاية؟

محفوظ كان لديه مشروع فلسفي متكامل ربما أكثر اكتمالا من الكثير من الفلاسفة، والقراءة له بترتيب زمني حسب إصدار الروايات يضفي على رؤيتك لأعماله بُعدًا جديدًا ويعطيها فهمًا أعمق. النظرة المتكاملة لأعمال محفوظ تبين أن حالة عمر الحمزاوي بطل (الشحاذ) تعد تطورًا لحالة صابر الرحيمي بطل رواية (الطريق).

صحيح أن الفرق الظاهري كبير بين صابر العاطل ابن القوادة وتاجرة المخدرات، الذي يبحث عن أبيه؛ وبين عمر الحمزاوي المحامي الناجح والشاعر ورب الأسرة المحترم. إلا أن نظرة متأنية تجعلك تشعر أن عمر هو تطور حالة صابر. فبينما كان صابر يبحث عن الأمان المادي والحب والسلام وانتهت الرواية دون أن يحقق أيا منهم. نجد أن عمر قد حققهم جميعًا؛ فهو محام ناجح ومشهور وثري وكذلك زوج ناجح له زوجة يحبها وابنة جميلة وحياته مستقرة.

عمر وجد كل ما كان صابر يبحث عنه.  ولكن، هل شعر بالسعادة والسلام والأمان إذن؟ الإجابة الصحيحة على هذا السؤال هي أنه كان يظن أنه يشعر بالسعادة والأمان، واستمر معه هذا الظن حتى سمع تلك العبارة من أحد موكليه: ” ألسنا سنعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها”.

فتفجرت داخله مشاعر الإفلاس والخواء، وبدا كأنه مريض وأخذ يتساءل عن معنى الحياة وعن الخلود وعن اليقين وعن المتعة الأبدية. ثم قرر أن يبحث ويفتش بنفسه علَّه يهتدي إليها عله يعثر على الحقيقة.. حقيقة الحقائق.

في البداية هجر أسرته وبحث عن غايته في عالم الحب والنساء، وبالفعل أحب راقصة وشعر ببعض التحسن. لكنه بعد فترة أصيب بالفتور وعرف أن غايته ليست في الحب. ثم أغرق نفسه في عالم الجنس والملذات لكنه أيضًا شعر بالفتور بعد فترة. وذات ليلة في الصحراء داهمته لحظة مسروقة من الزمن شعر فيها بالطمأنينة تتسلل إلى قلبه وذاق اليقين لبرهة، لكن سرعان ما تسرب ذلك الإحساس من بين يديه مرة أخرى دون أن يدري كيف واتته تلك اللحظة ولماذا أفلتت.

قرر بعدها لا أن يهجر أسرته فقط، بل قرر أن يهجر الواقع كله وأن يزهد كل المتع والملذات.
استأجر مسكنًا في الصحراء وعاش فيه وحيدًا معزولا عن العالم يمارس طقوسًا صوفية إلى حد ما، حتى اختلطت في ذهنه الحقيقة بالخيال والواقع بالحلم، لكن تلك اللحظة المقدسة التي حملته خارج حدود الزمان والمكان أبت أن تعود.

وكالعادة تنتهي الرواية وما زالت الأسئلة التي طرحتها بلا إجابات. الرواية مقلقة وجميلة ومزلزلة لدرجة عالية. لدرجة أنني لا أنصح بقراءتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد