نرى فتاةً ما زالت تحت رداء الطفولة قد تركت ألعابها في بيتها، ولم تأخذ معها إلا عروستها الصغيرة، وأصبحت تتنقل من شارعٍ إلى شارع، ونرى شابًا أشعث أغبر قد رَسم الدمار على ملابسه، ونرى فتاةً في زهرة شبابها قد خلعت رداء الحياء عنها، وتجوّلت من منطقةٍ إلى أخرى، ويدها مبسوطة تسأل كل غريب عن زادٍ من المال لها، ونرى عجوزًا يحتل مترًا من الشارع ويتربع على كرسيه ويده سفلى تنتظر العطاء، صورٌ ومشاهد نراها بكثرة في هذه الأيام، قد انتشرت كما ينتشر الداء في الجسد.

يقول أحد المسافرين من غزة توجه إلى دولة أوروبية: «ودّعني متسوّل واستقبلني متسوّلٌ آخر؛ فقبل سفري بسويعات استوقفني متسول، وعند وصولي إلى وجهتي أوقفني متسول آخر»، التسول ظاهرة عالمية غير مختصة بزمن دون آخر، ولا دولةٍ دون أخرى، فقد وُجِد في كل زمانٍ ومكان، وفي كل البلدان الغنية منها والفقيرة، التسول هو مرضٌ شائنٌ ومشين، يقصد به تمزيق الحياء الذي في الإنسان، وقتل العفة والعزة التي في النفس، ومحوٌ لفعل اقتنع من الذاكرة، والرسم على الجسد حتى يصبح قطعةً فنية مأساوية، وجعل اليد دائمًا سفلى مبسوطة، يخلق في نفس من يقابله الشفقة والعطف.

التسول لا يختص بوطنٍ معين، ولا إنسانٍ محدد، فالتسول يقتل كرامة الإنسان، ويجعله عرضة للابتذال والإهانة، ويُوقف مُنتَعِله مواقف الذل والهوان، يهدف مرتديُه إلى جمع أكبر قدرٍ من المال دون أن يضع نفسه في شقاء العمل وكدِّه، فالتسول يكون على شكلين وربما يزيد، الشكل الأول أن يكون مباشرًا، أي أن يمدّ يديه ويطلب المال، أما الشكل الآخر فيكون بطريقة غير مباشرة، كأن يجمع المتسول بعض الأشياء الرخيصة باهتة الثمن، ويجبر الناس على الشراء منه بثمن أكبر من ثمنها خجلًا وعطفًا عليه.

ولا شك أن هناك كثيرًا من الناس قد جعل العفة شعارًا له، ولكن في بعض اللحظات وعند قليلٍ من الأشخاص، إذا انقطعت به سبل الحياة دعته الحاجة الماسة للمال إلى دخول ذلك المسلك الخاطئ المشبوه، ولكن رغم حاجته إلا أنه أخطأ باتخاذ الطريق فهنالك طرق أخرى أحفظ لكرامته وعزة نفسه كالمؤسسات والجمعيات الخيرية التي تُقام لأجل مساعدة الناس.

 ولأن نظرة الشريعة الإسلامية نظرة شاملة لم تغفل معالجة أي قضية من القضايا التي واجهت وستواجه المجتمع الإسلامي، من بينها قضية التسول، فقد حرّض الإسلام على العمل وقدسه ودعا إليه، قال تعالى: «هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه»، وحذر الإسلام من التسول الذي يتنافى مع مقاصد الإسلام التي أوجبت الكرامة لكل إنسان في قوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم»، وحرّم الإسلام المسألة على كل من يملك ما يغنيه عنها من مال أو قدرة على التكسب، وقد جرم الإسلام التعطل والتواكل على الغير، فقال رسول الله: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ من أن يسأل أحدًا، فيعطيه أو يمنعه».

وللقضاء على هذا المرض يجب أن تضافر الجهود وتتكاثف كل الأيدي سواء أكانت مؤسسات حكومية أو أهلية أو أيدي المواطنين، كلٌ على حسب قدراته ومسؤولياته، فالمسؤولية الأولى والأكبر تقع على كاهل الفرد نفسه، فلا يجب عليه أن يترك أي سبيل أو منفذ يُوصِل إلى عمل يستعف به عن سؤال الناس، وإن لم يجد وقطعت السبل فيجب على الدولة أن تكفله، وتُوفر من الزّاد له ما يغنيه، وتشجّع قيم التكافل الاجتماعي ونشرها بين الناس.

وأما من اتخذ التسول مهنة فهذا يجب أن يكافح ونتخذ ضده كل السبل التي تقوم على المنع سواء أكان بالاعتقال أو التعزير، وأن يرى هذا المستهتر نظرة لوم واستحقار من كل من ينظر إليه، دون أن يعطيه من المال شيئًا؛ لأنه يأكل أموالهم بالباطل وعالة على المجتمع الذي يسعى للأمام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد