الملاحظ للشأن السياسي في الجزائر يومًا بعد آخر، يتضح له جليًا سيناريو لفيلم تجري أحداثه ووقائعه في الجزائر لكن يتم تصويره بكاميرات لوبية تحرص عليها أعين خارجية، وباب القصد هنا أن معركة من نوع آخر اشتعل فتيلها بين الجزائر وفرنسا لتتعدد بذلك الأسباب، غير أن النهاية والغاية هي لا لجزائر فرنسية لوبية ونعم لجزائر تحررية باديسية.
ولعل مشاهد اليوم تجعلنا ندرك حتمًا أننا في صراع داخلي وخارجي تمثل في امتداد ثقافي فرنسي عمم بالأمس، لنشهد نحن اليوم مجتمع يكاد يفقد أصوله بين حنين أمازيغيته وبين روح نوفمبريته، ليجد اليوم كل جزائري أصيل نفسه في صراع مع هذا الاحتدام والصراع وما يبين شدة هذا الصراع هو تكالب فرنسا بكل أدواتها الخسيسة وأبنائها المأجورين من أجل تشويه ما يحدث الآن على الصعيد السياسي في البلاد، ليصبح الأمر أكثر تعقيدًا لأن الوضع أصبح ثقافيًا واقتصاديًا بعدما كان سياسيًا، وهذا لما أعلن الشرفاء والوطنيون ممن يقودون السفينة الجزائرية بعيدًا عن سفن فرنسا كما جاء في تيفو عاصمة الحراك في برج بوعريريج.
وبمغادرة السفير الفرنسي السابق لأرض الوطن لخوضه وتدخله في الشأن السياسي في البلد ثم تغييره بآخر، وهذا بطلب من الجزائر وكذا المضي بثبات نحو مراجعة الشراكات ومشاريع النفط والغاز المبرمة مع الشركات الفرنسية، وهذا لما يشوبها من فساد وخلايا لقضايا محسوبية لرجالات دولة، هنا تحديدًا نكون لا محالة قد وضعنا أول الخطوات والمكاسب لميلاد مجتمع حر يصنع ما يريد.
وأكيد أن الميلاد يحتاج لمخاض ولا بد للمخاض من آلام، لذلك ستشهد الساحة السياسية مستجدات عسيرة تلخص بداية النهاية لزمن الفرنكفونية في الجزائر سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وتمهد لمرحلة جديدة تكون فيها الأذرع الفرنسية غير ممتدة لخيراتنا وإرثنا وماضينا ومستقبلنا، كيف لا وقد نهك اللوبي الفرنسي خيرات 14 بلدًا أفريقيًا، الأمر الذي عجل بنهضة فرنسية مسروقة، الشيء الذي دفع المؤرخين يقرون بأن فرنسا لم تعط الاستقلال لمستعمراتها بقدرما أعطت الاستقرار لنفسها.
وبقدر ما نجد أناسًا مخلصين لوطنهم بقدر ما نجد أناسًا آخرين ليسوا بقريبين منا ولا تربطهم بنا مصالح غير أن ضميرهم المهني لا يسمح لهم بإخفاء الحقائق وتسويق المغالطات، وأقصد هنا ما يدور في الإعلام العالمي بين الصحف الوطنية والفرنسية والعالميةن ولعل مصداقية صحيفة الإنديبينديانتي البريطانية لخصت هذه الحرب بعنونة مقالها أن عدو فرنسا هو القائد صالح أي أن ما ستذهب إليه الجزائر لاحقا سيشكل ضربة قاسمة لامتداد فرنسا في الجزائر مما يعني إمكانية خسارتها كبرى أسواقها وشركاتها، بل وموردها الثقافي متمثلًا في مراكزها الثقافية الفرنسية.
إن الفرنكوفونيين الجزائريين والأكاديميين والباحثين من الأصوليين والوطنيين يؤكدون أنه لا بد من البحث عن لغة حية لا مع ذاتها بل مع متطلبات الآخرين وما تقتضيه الساحة العلمية اليوم، وليس بغريب أن ترتقي شعوب دول كروندا وإثيوبيا في بناها التحتية ومنظوماتها التعليمية سوى أنها شقت طريقًا أخرى نحو عالم حي ينبض قلبه ويردد لسانه لغة يفهمها الجميع وأسهمها تتداول في كل بورصات العالم الثقافية والعلمية والمالية والسياسية.

وما يجعل تهاوي اسم الفرنكوفونية في العالم هو منطق المتغلب فمتغلب اليوم هو من مدرسة الأنجلوساكسونية الذي تعود على الديناميكية والحركية والرأسمالية الإنتاجية وليس على الانتفاعية والعدائية والراسمالية الفنية.

إن الجزائر اليوم تقرر إلى أي مورد لغوي تنهل طبعًا بعد تحصين موردها الثقافي والحضاري، والذي بات الحراك اليوم من محدديه وضبطه وإعادة تذكير كل من يهون هذا الشأن بمعينه حتى يتسنى لهذا الوطن المضي نحو مستقبل آمن بتاريخ يكتبه الوطنيون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات