عندما يحل الظلام في مكان بعيد، ظلمات متعددة تخلق وحشته – بكل ما تحمله الكلمة من معنى-. ظلمة الفقر، وظلمة الجهل، وظلمة المرض تتجمع لتكوّن تلك الحياة المعتمة التي يعاني منها أهالي عزب «الخوجة المستجدة وأحمد عبد المجيد والخمسين» في محافظة الفيوم.

هؤلاء الذين لا يعرفون مثقال ذرة من الحقوق العادية لحياة آدمية؛ فترى البيوت صغيرة من الطوب اللبن، يغطيها هم الفقر الذي أحاط بهؤلاء الفلاحين من ضيق العيش. هم ليسوا بملاك أراضٍ ليسدوا احتياجاتهم مما تزرع أيديهم، فما هم إلا عمال في أراضٍ، ملاكها يتحصلون على أجورهم اليومية، والتي لا تكفي 7 أشخاص على الأقل يعيشون على عاتق رجل واحد.

ونظرًا للفقر الشديد في الاحتياجات الأساسية؛ فمن الطبيعي أن تجد 54,5% تغمرهم ظلمة الجهل، ويتراوح الباقون ما بين الشهادة الابتدائية والإعدادية؛ فتجد 13% فقط من قاطني تلك العزب من أتم الشهادة الثانوية.

ومن أين يأتي الوعي أو الثقافة السليمة حين يسود الجهل بتلك النسب الفادحة؟! فهل نلوم هؤلاء الأهالي عندما نجد أن نسبة زواج الفتيات تحت 18 سنة يتعدى 40%! فلك أن تتخيل أطفالهم، طفلة تنجب أطفالًا.

ثم تأتي الظلمة الثالثة لتودي بأرواح هؤلاء المنقوعين في الظلام الحالك؛ ليصارعوا ظلمة الأمراض المزمنة التي تحاصرهم من كل جانب. ولأن الظلام إذا بات طويلًا تمددت بؤرته واستشرت خطورته في مختلف الأرجاء؛ جاءت أسرة «فكرة» بكلية طب عين شمس حاملة معها شعاع النور «قافلة بداية» محاولة أن تضيء ما استطاعت في ذاك المكان الذي غفلت عنه العيون. شباب طب عين شمس يسعون من أجل «قرية تتمتع بحياة صحية واجتماعية كريمة، تتميز بزيادة الوعي الصحي لدى لأفرادها، وتتوفر فيها البيئة المناسبة لذلك؟ (ما المقصود بذلك؟)».

وبعد انتهاء الاستكشافات على أسس من المعايير لا اختيار المكان الذي يستحق المساعدة والعون، قرر هؤلاء الأطباء بالتعاون مع قسم «طب المجتمع والصحة العامة»، وإدارة الكلية بتقديم يد العون للسنة العاشرة في القوافل الطبية بمختلف قرى الصعيد لهذه العزب؛ محاولين انتشالهم من هذا الظلام الحالك، ومنحهم بصيصًا من النور ينعمون به في حياة آدمية كريمة.

وبعد تجميع البيانات وعمل الأبحاث تحت إشراف أ.د. أماني مختار، وأ.د. ميرفت راضي بقسم «طب المجتمع والصحة العامة» في كلية الطب عين شمس؛ وجدوا أن أبسط الأمراض التي تصيب هؤلاء المساكين لا تعالج مهما طالت مدة الإصابة. وكيف يتسنى لهم أن يجدوا العلاج وهم في معزل عن أي خدمات صحية حتى (الأجزخانة)، بالإضافة إلى عدم توفر المواصلات لأي قرى محيطة، أو حتى وجود ما يكفي من نقود لتلك المواصلات إن توافرت؟!

فنجد أن 44% ممن يعانون من ارتفاع ضغط الدم، و61% ممن يعانون من أمراض القلب المزمنة، لا يتلقون أي أدوية للعلاج. وإذا جئنا للفيروسات التي تهلك حياة معظم الشعب المصري؛ وجدنا أن 60% من المصابين بفيروس سي لم يتعرضوا لأي علاج منذ الإصابة. كما أن 97,6% لم يتلقوا أية تطعيمات لفيروس ب.

هذا بخلاف أمراض الكلى المزمنة كالحصوات والفشل الكلوي، والتي يظل 84% من المصابين بها يستغيثون دون جدوى.

وقد كان لهذا النور إسهامات في إضاءة العديد من قرى الفيوم، كواحدة من أفقر محافظتين في الجمهورية بالتنافس مع بني سويف على مدار العشر سنوات الماضية من علاج تلك الأمراض المزمنة. فتتجه قافلة بداية بأطبائها، ويقيمون أسبوعًا كاملًا في القرية مقدمين لأهاليها كل ما يحتاجونه من خدمات صحية. بدءًا من التوعية الصحية بالعادات التي يجب اتباعها للوقاية، والأمراض المزمنة وكيفية الوقاية من مضاعفاتها المميتة، مرورًا بالفحص الشامل والعيادات المتخصصة التي تصمم بناء على الاحتياجات الصحية للقرية من خلال الاستبيانات، والإعدادات التي تتم لمدة عشرة أشهر، حتى التحاليل المطلوبة والأدوية. وبالطبع دون تكليف الأهالي (مليمًا) واحدًا.

ولا ينتهي دورهم بانقضاء هذا الأسبوع الذي يقام في منتصف أغسطس من كل عام، بل يتم تحويل الحالات التي تحتاج لعلاج أطول وبإمكانات أكبر إلى مستشفى الدمرداش، ولتتلقى العلاج هناك وعلى نفقة الدولة. كل ذلك بالإضافة إلى جانب التنمية المجتمعية الذي تسعى «بداية» لتقديمه حسب الاحتياجات الأساسية لاستدامة معيشة هؤلاء الأهالي.

وهنا تكون قافلة بداية هي بداية حقيقية البداية لتخليص هذا الجزء من المجتمع من بؤس الظلام المحيط به؛ فلا يتمكن منه، ويضعف قواه.

ادعم «بداية» ولتكن حاملًا لقبس من نور تشارك به في إجلاء الظلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

"بداية" شعاع النور
عرض التعليقات
تحميل المزيد