أحيانا تشعر أنك تائهٌ في هذه الدنيا، ولا تجد بجوارك رفقاءَ رغم كثرتهم حولك، بل وأحيانا تجلس وحيدا تبكي على نفسك لا لشيء بل لمجرد البكاء ولا تعرف سببًا محددا لذلك، تشعر بالضياع ولا تعرف كيفية الهداية وكيفية الطريق رغم وضوحه أمامك وضوح الشمس، بل قد تصل بك مرحلة تكره فيها نفسك ومن حولك وتلعن وتسب الظروف التي تعيشها دون أية مبررات.

فياترى هل هذا فراغ أم تفاهة؟ أم هو مجرد بداية لشيء قد يكون عظيمًا أو شيء قد يودي بحياة صاحبه؟!

 

إن عين الواقع تشير غالبا إلى أن مثل هذه الأمور هي علامة فارقة في حياة أي إنسان، وهي تنقسم لعدة مراحل؛ أولاها أنه عندما يخلو الإنسان بنفسه ويحادثها فهذه بداية جيدة، لأنه بذلك يبدأ في حسابها وقليلون فقط هم من يحاسبون أنفسهم، ولذا يكونون أكثر الناس سعادة، وكما قال سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)، ولكن السؤال الجوهري هنا؛ كيف تحاسب نفسك؟ وكيف تعاقبها وكيف تجازيها؟

 

إن الإجابة هنا تكمن في أن تبدأ محادثتك لنفسك على أنها صديق لك تعاتبه أو ابنك الذي أخطأ فتعاقبه. نعم هذا صحيح وسيأتي أحد ويقول لي: أأنت مجنون أكلم نفسي وأعاقبها؟

وأنا أقول له إي والله إنه لعين العقل أن تعرض مشاكلك مع نفسك بكل صراحة ووضوح لأنك لن تخدع نفسك أبدا، بل إنك بذلك تطهرها من أخطائها وذنوبها، ولك أن تتخيل أنك عندما فقط تحادث نفسك وتصارحها فإنك بذلك سوف تستريح.

 

من هنا تبدأ المرحلة الثانية؛ حيث إنك ستبدأ بتحليل نفسك جيدا وشخصيتك أيضًا، بل ستعرف نقاط قوتك وضعفك، وستضع يدك على بداية طريق النجاح، وستدهش عندما تكتشف أشياء لم تكن تتوقع يومًا أن تخطر على بالك، وتلك أيضا علامة جيدة جدا؛ فقد وضعت يدك على كل شيء تقريبًا وسيبقى فقط أن تترجم كل ذلك إلى أفعال، وهذه آخر مرحلة.

 

وتلك المرحلة الأخيرة هي أصعب المراحل كلها، ولا ينفذها إلا الصفوة لأنها مرحلة (مجاهدة النفس)، فأنت بعدما تعرف مثلا نقاط ضعفك سوف تبدأ نفسُك في محاربتك وسيبدأ الصراع الداخلي والخارجي معًا.

 

ستبدأ المعركة الحقيقية بين الشهوة والعقل، بين العودة للخلف أو التقدم للأمام، ولن يتحقق ذلك بسهولة فهو أمر ليس بالهين أبدًا يحتاج أن تكون دائما مع الله مثابرًا،بل عليك أن تعلم أن الله سوف يبتليك حتى تستبين نيتك الحقيقية، وهل أنت فعلا أهل لهذا التغيير أم لا، بل ستواجهك المشكلات في البداية من كل الجوانب، ولكن اعلم أن الله معك دائمًا وسيكون دومًا معك، وعندما تحين اللحظة سيتغير كل شيء من حولك، سوف تتغير دنياك للأبد، من القبيح إلى الجميل، ومن السيء إلى الأحسن.

 

هي فقط – نية – تعقد قبل كل شيء وتنفيذ بكل إصرار وعزيمة، وأقولها لك أنك إنْ لم تجالس نفسك من قبل لتحاسبها وتبكيَ عليها فأنت لست إنسانًا يستحق العيش على هذه الأرض، بل أنت مثل الأنعام التي تحمل أسفارًا لأنك تكون بذلك تجري وراء متع زائلة في هذه الدنيا الحقيرة وتنسى ربك الذي خلقك.

ونصيحتي لك في النهاية أن تجلس مع نفسك جلسة تراجع فيها أقوالك وأفعالك، وصدقني ستنبهر بالنتائج في حياتك، وكما نقول في أمثالنا (اسأل مجربًا ولا تسأل طبيبًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد