إذا وضعك القدر تحت مطرقة التجنيد الإجباري ستلتقط أذنك الكثير من الأمثلة الشعبية الخاصة بمجتمع العساكر، لكل موقف تمر به في حياتك العسكرية المثل الذي ينطق بلسانه، ولكل حياة قواعدها وقوانينها العرفية التي ترسم خريطتها.

لكي تعرف مكانتك جيدًا في التشكيل الهرمي للمجتمع العسكري يجب أن تستمع لما ينطق به الأقدمون من حِكَم وأمثال، وعليك الاختيار بين الانبطاح والانبطاح تحت بيادة من هو أقدم منك أو أعلى درجة منك.

“ويقول العرف: ضربة قلم ولا جَّرة قلم”

إذا اقترفت ذنبًا وتعرضت للإساءة اللفظية أو الإهانة الجسدية كعقاب لما فعلت، فذلك أفضل كثيرًا من أن يتم فتح دوسيهك العسكري – الدوسيه زي المَرة لو اتفتح مبيرجعش بِكر تاني- وتنخفض درجة شهادتك العسكرية عن “قدوة حسنة”.

قل لي ما الفائدة التي ستعود عليك إذا لم تكن شهادة تأديتك للخدمة العسكرية ليست “قدوة حسنة”؟!
يقولون إنها تساعدك في الحصول على وظيفة جيدة في مصلحة حكومية أو تساعدك على السفر إلى الخارج!

“نكتة ثقيلة الظل”
لو فكر قليلاً من يرددها في أخيه الذي تآكلت قدماه من البحث عن فرصة عمل في كل شبر على أرض المعمورة ولم يجد، رغم حصوله عليها “قدوة حسنة” لقطع لسانه قبل أن ينطقها. لكنه الخوف يا صديقي يلجم العقل ويحبسه في زنزانة لا تدخلها شمس الفكر، كما تعجز قدماك عن الجريان عندما يهاجمك ذئب وظهرك ملتصق بالجدار.

***

وجههُ جمرة مشتعلة بنيران الشمس والحماسة المبالغ بها، يتصبب عرقًا، عروقه منتفخة كَكِرشه بيضاوي الشكل، زيُه العسكري باهت الألوان قليلاً، يحمل في يديه أوراق وعلى كتفه “شرائط” تدل على درجته العسكرية. أراهُ أمامي الآن وهو يخطب بنا: إنتو دلوقتي في مصنع الرجال، مصنع الكرامة، القوات المسلحة المصرية فخر لأي حد يخدم فيها.

يضيف الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ويحشوها حشوًا في كلامه ويسترسل في خطبته، ثم ينهيها بقوله المأثور الذي لن أنساه ولو فقدت ذاكرتي كاملة: “شايفين البوابة السودا اللي هناك دي الجدع فيكو يسيب كرامته على عتبتها وهو داخل”.

 

حقًّا إنه مصنع الكرامة!

***
“كَوِس عشان أيامك تعدي”

يسحب نفسًا من سيجارته التي تحتضر بين أصابعه، يضع قدمًا على الأخرى، يسترخي تمامًا في جلسته، ويتخذ وجهه ملامح الجد والتركيز قناعًا، ثم يحدثني بصدق بالغ وبخبرة رجل سبعيني قضى معظم عمره في “الأفرول” الميري، عن سر اختلاف وتمَيُز المؤسسة العسكرية عن باقي مؤسسات الدولة، عن سر تماسكها أثناء ثورة 25 يناير وتمكنها من السيطرة على مجريات الأمور بعد انهيار جهاز الشرطة، وعن ابتعادها عن دوائر وشبهات الفساد!

استمعت له بأدب شديد وبملامح محايدة تمامًا، كالذي يفكر فيما يسمعه جيدًا ولا يمتلك عقله قناعات خاصة أو أية أحكام مسبقة. امتد حبل حديثه بنا لأكثر من ساعتين، لا أذكر فيه سوى ملخص وجهة نظره وتحليله الدقيق.

“الانضباط يا بني الانضباط، الميري سيف على الكل حتى لو كنت مين”

أنهى حيثه معي وقبل أن أنصرف ذكَّرني أنه على صلة قوية بالقائد فلان “خدم تحت إيدي سنين”، “لو عوزت أي حاجة إديني تليفون وأنا أخليك تقضي جيشك كله في البيت زي الباشا إنت أبوك حبيبي!”.

***

الذكريات تتقافز أمام عيني، ترجوني أن أنثرها كاملة على سطح الورق، لا أستطيع الفرار من أصغر التفاصيل التي تحاصرني.

 

“نَفِذ واتظلم يا عسكري، دولة الظباط الغنية وشعب العساكر الفقير، سيكا سيكا وتتمسح بأستيكة، كتاب كل رجال الباشا، إنت بتتذل دا كله عشان حتة ورقة”. كل تفصيلة تحتاج إلى عشرات الأوراق لقتلها بحثًا وتدقيقًا، تحتاج لذهن خالٍ وصافٍ من الهموم، وهو غير متوفر حاليًا، بالإضافة ليد الكسل التي تكلبش كفَّي. وعلى الجهة المقابلة كل شيء وكل حركة وكل جديد على خريطة الوطن الذي يفرقنا ولا يجمعنا، يدعوني إلى الصراخ والبوح بالكثير والكثير، لذا سأستكمل ما بدأت في الحلقات القادمة و”احنا ونصيبنا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد