تعدّ الثقافة مفهومًا مركزيًا في الأنثروبولوجيا، فهي سلوك اجتماعي ومعيار موجود في المجتمعات البشرية، وتشمل نطاق الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي، لعلها ذلك النسيج الكلي من الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد والاتجاهات فـي مجتمع ما يتعلمها كل عضو من أعضاء المجتمع في عملية اسمها «التنشئة الاجتماعية».

لكن يبدو أن ما نسميه ثقافة ليس إلا نوعًا من الهلوسة الجماعية وافتراضًا جماعيًا، أنتج واقعًا وهميًا لا وجود له، والمشكلة أننا أصبحنا متكيفين وقادرين على التعايش داخل هذه الثقافة أو تلك.

معالجة المستوى الأعمق من النظام الفكري هي الحلول التي يجب التنقيب والبحث عنها بدون قيود تلك المعايير والتوقعات الثقافية – حلول تتحدى افتراضات أي نظام ثقافي، سياسي، أيديولوجي أو اجتماعي – لأن الحق في التفكير واكتشاف أفكار خاصة هو في يد الفرد، ويجب أن يكون هناك حوار عادل ومفتوح حول ماهية الواقع والقيم الإنسانية الحقيقة، فهذا يتم بتجاوز اللعبة الثقافية، سواء كنت في القدس، أو الهند، أو تقيم على جزيرة ما؟

الاتحاد هو الحاجز الذي يهدم أي أفتراض ثقافي أو أيديولوجي أو سياسي. فهذا حبر عربي على ورق عبري في لب رسالة فكرية، إنها معضلة تشد بيد كل بشري، الجدار الوهمي ليس سببًا يمنعنا من اكتشاف الواقع بعقل متفتح، والشخص الذي يدّعي أنه على عرش الإجابات المطلقة، فقد هبت به الرياح إلى تراب الجهل، إن النماذج الثقافية التي استخدمناها غدت مهترئة، والتسامح مع هذه الحدود الثقافية التي وضعتها هذه النماذج، وبدورها تعطيك الضوء الأخضر لتقتل أختك بحجة شرف العائلة، لهو دليل على أنك تعيش في مجتمع مضطهد مثل أي مجتمع رجعي متشبث بشظايا الماضي.

إن الذي خرج عن السيطرة ويموت في الواقع هو هذا العالم الذي أصبح ثقيلًا في غطرسته الخاصة، المصر على اعتناق قيم خاطئة لا تهتم بمصير ومآل أطفالها ونسائها. قد حان الزمن للتخلص من هذا العالم ورسم السبيل نحو تغيير عالمي لثقافة الإنسانية، وذلك ليس بالأمر العويص، بتراب الحاضر يجب دفن الماضي، أيدينا تمسك التقنيات والقدرات الابداعية لتحويل العالم، لكن ما نفتقره هو الانضباط العقلي، وهدم افكار تليدة في عدة قضايا، مثل الطبقات الاجتماعية، القبيلة، العرق، الجنس، الشرف، الدين، التاريخ، العلم.

لعلها ضرورة لأن البشرية لم تقف أمام طريق ثقافة مغلق. بعد آلاف السنين من الديانات يبدو أن بعض الأديان قد خيبت آمال الناس إلى حد ما، وبعدها جاءت المادية الرأسمالية واليوم لا تغيب عنا عيوب هذه المادية، ليس فقط من منظور روحاني لأنه من الأكيد لا توجد روحانية في المادية، لكن الميزان يحمل جانب مادي ينظر للسعادة والرفاهية ضرورةً في الحياة اليومية، والكثير رفضوا الأديان، وها نحن نرفض المادية يوم بعد يوم، لكن ما الشيء الذي علينا فعله؟

أعتقد أنه يجب علينا الحفاظ على ما هو جيد في الأديان، وتأكيد أنها غزيرة بالجمال وهي رغبة روحية طبيعية للإنسانة. والحفاظ على ما هو جيد في المادية؛ مثل الفضول العلمي، واكتشاف قوانين المادة، ولكن ليس لإثارة الناس بالنزعة الاستهلاكية في التكنولوجيا الطائشة التي تكون على حساب صحتنا ونفسيتنا، لكن يجب أن نأخذ ما يقدمه العلم بإبداع وإلهام، من أجل أن نكون قادرين على التوفيق بين الشكل الحر من الروحانية التي تسمح لنا أن نتطور بوعي وحرّية، وبين اكتشافات علمية وتكنولوجية غير أنانية وتحترم الحياة.

لم يعد للإنسانية مصدر مثالي متفق عليه، لأن المادية ليست مثالية هي مجرد استهلاك؛ سيارة، ملابس، أحذية، هذا أسلوب حياة ليس مثالي، وبعض الأديان استولت على طبيعتنا الروحية ولم تجلب لنا التحرك، ومع ثراء الوعي الإنساني والرغبة الروحية الحرة بما في ذلك العمل على نفسك.

الدين الحقيقي هو الذي يسمح للفرد بالتطور من خلال العمل على نفسه، فيجب على الأفراد تحمل مسؤولية أعمالهم الذاتية، ثم العمل على الجسد والقلب والعقل والروح، فهذا يتطلب شيء في غاية الأهمية وهي رؤية آتية من مكان ما! سمّها اللاوعي، الروح، الطاقة، لكنها ليست رؤية آتية من اجتماعات، وأحزاب، أو مؤسسات.

لعل أفضل رؤساء هذه المؤسسات لم يفعلوا شيء سوى إدارة الأزمات، وهذا ليس كافٍ، نحن نفتقد الرؤية إلى أعلى مستوى، ونفتقد الرؤية التي تحوي رسالة هامة: الشعور والإحساس. الأفكار آتية في وقت ما! لكن ما يتعين علينا فعله هو أن نشعر بمعضلتنا، هكذا سنتخذ السبيل للحلول الحقيقية. نحتاج لرسالة شعور، حب، وتواصل عبر الحواجز الثقافية، وهذا لن يحدث إلا بتغيير «العقل».

لدينا التكنولوجيا والمال لتوصيل هذه الرسالة، لكن للأسف لا نعرف كيفية تكسير السلاسل التي أذت عقولنا، والتخلّي عن الخوف والقلق لمرة واحدة وإلى الأبد، وتحرر من كل ما لم يعد يخدمنا، وتأثير مخدر الخوف أدى إلى نقص الخبرة الحقيقة المباشرة والاتصال الحقيقي بالعالم الحي الذي خرجنا منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد