عام بعد عام تزداد العولمة حداثة وتتسع دائرتها حولنا، ومع تطورات التكنولوجيا اتصل الأشخاص ببعضهم البعض؛ فأصبح لكل منهم عالميْن: واقعي وافتراضي.

واقعي يعيش فيه المرءُ أحداثَه بكل عثراته ومآسيه مع نفسه، و افتراضي يَختلق أحداثه من أجل آخرين، والتي يكون جُلها، إن لم نقل كلها، ذا طابع جميل مفرح ومزركش خال من العيوب.

ليس الغريب أن يحلم الإنسان بعالم أجمل وأفضل مما يعيشه، فيشاركَ بذلك أحلامه ورغباته ممن يرى فيه نفس ميولاته، لكن الغريب أن تَتناقض هذه المشاركات اليومية مع حالته الآنية، واستنكاره لواقعه المُعاش من أجل نيل إعجاب الآخرين، والأغرب من ذلك تزييفه لشخصيته وطبائعه.

ربما العيش تحت الأضواء وفوق بريق الشهرة قد بَلغ بالإنسان مبلغَ تلوين حياته بلون وردي معاكس للونها الرمادي الذي جَمح صَحوة ضميره نحو العمل على تطوير نفسه والبحث العميق عن حلول مشاكله، والتي سيجدها في عالمه الحقيقي الملموس.

بذالك أصبحت وسائل التواصل الإجتماعية ستارًا أبدع مُستخدموه حِياكته بأثواب وألوان مختلفة ومتنوعة تتناسب مع متطلبات متتبعيهم بدلًا عن أن تكون منصة لتَشارك التجارب الناجحة والخطوات الثابتة نحو الإصلاح التي ستعُود عليهم أولًا بالنفع، ثم على معجبيهم الباحثين بدورهم عمن يُنسيهم سواد وظلمة عالمهم ويوقظَ فيهم إشراقة نور ولو كانت كاذبة.

فمن كان من هذه الفئة المختبئة خلف الستارة مُحبّا للعزلة؛ كَارها للتجمعات؛ يُظهر صورة لنفسه في حفلة لأصدقاء الدراسة راسمًا ابتسامة صفراء على وجهه الشاحب، ومن كان شِحِّيح الأحاسيس؛ مُفرط اللامبالاة؛ يضع صورة له مع قطة الحيِّ قلقا على ساقها الجريحة حزينا على ألمها بملامح مُصطنعة للأسف.

لماذا هذا التصنع وهذه المظاهر التي نختلقها من أجل الإرضاء ونيل الإعجاب؟

أليس الأولى تغيير أنفسنا نحو الأصلح؟

ألم يحن وقت رفع الستارة المستعارة؟

قد يرى البعض منا ممن ركب أمواج مواقع التواصل الحديثة دون سابق استعداد أنها مَنفذ لتفريغ مكنوناته الباطنية التي ظل يَختزُلها عن محيطه سواءً رغبة منه أو كرها، ونحن لازلنا نطرح في هذا الصدد إشكالية المجتمع والأسرة بشكل خاص في احتوائها لأفرادها وترسيخها لشخصياتهم بشكل سليم وتطويرها بمنحى إيجابي طيلة فترات نموهم.

إن طبائع الشخص ومَلكاته تظهر منذ طفولته والأولى أن ينتبه الآباء لكيفية تشكل شخصيات أبنائهم، فمن لمح في ولده سلوكًا نحو الإدعاءِ والتفاخر أو غيرهما، أن يسرع في محاولةٍ لتغييره، ويُظهر لطفله أنه لا شيء يستمر بادعاء وجوده، ولا افتخار سَيوصِله إلى الرضا.

في الجهة الأخرى ممن أُرغِم على طَمس هويته منذ الصغر ألاّ ينسى أننا خُلقنا لنتعلم ونُحسن ذواتنا نحو الأفضل، وليبدأ كل منا في استعراض طبائعه السلبية على نفسه، وأن يبحث لها عن حل بدلًا عن أن يغوص بها في بحور التكنولوجيا غير المُقننة، ويؤثر بذالك على غيره، فنخلق بذلك دوامة من الأشخاص الفارغين الذين يحومون حول بعضهم البعض آملين في اجتياح أكبر عدد.

ومن لم يستطع إصلاح ذاته فلا ضير من زيارة سليمة ودون خجل لطبيب نفسي؛ يُقيِّم فيها أفكاره وما يُخالجه أو الانخراط في المؤسسات الاجتماعية المُلِمة بحاجات الفرد النفسية، من جلسات استماع، وخَرجات يغير فيها نظرته المتشائمة عن نفسه ومحيطه، ومن رأى نفسَه بعيدًا عن هذين الاحتمالين، فخير جليس له كتاب جيد يُطوِّر به شخصيته، ويحسن به طبائعه، أو سيرة ذاتية لأشخاص تَغيرو فنجحوا، وليس هناك أعظم من سيرة خير البشر: رسولنا ومعلمنا، لندرسها ونقتدي به صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد