ليس هناك حرية تعبير حقيقية في الوطن العربي، ولا حرية ثقافية أو فكرية، كل ذلك وهم، وما يسمى بـ«الفضاء المفتوح» أو «النشر الحر» بعيدًا عن قبضات الدول المحكمة على قنوات الإعلام المحلية، وإخماد الأصوات المعارضة موجود في كل المواقع بلا استثناء، بل موجود في كبريات مواقع التدوين ذات الثقل الإعلامي والانتشار الإقليمي.

ومن الغريب أنهم يعتمدون الثالوث المقدس كأطر حمراء لا يمكن الاقتراب منها أو المساس بها، ثم أضافوا أعمدة أخرى لذاك الثالوث، فأصبح رباعيًا وخماسيًا وسداسيًا إلى ما لا نهاية، حتى إن بعض المدونات الكبرى رفضت لي مقالًا أدبيًا بكل وقاحة، وأرسلت إليّ المحاذير التي لا يجب أن أقترب منها، والتي منها -يا لوقاحتهم- ألا أقترب بالنقد ليس لحاكمهم أو دولتهم، بل لضيوف قنواتهم الفضائية.

موقع آخر رفض لي دراسة أدبية أعددتها عن كتاب «في الشعر الجاهلي»، ولم يُبدوا أسبابًا واضحة، رغم نشري معهم مقالات عديدة متنوعة اجتماعية وسياسية.

ولست أنا الوحيد في ذلك المضمار، فصفحاتهم على الفيس بوك مكتظة بتساؤلات الكتاب الشباب عن أسباب تأخر نشر مقالاتهم رغم مرور أسابيع على إرسالها.

والسبب في ذلك أن هذه المواقع إمبريالية بكل ما تحمل الكلمة من توحش، لا تسمح بالحرية إلا في نقد وطنك ورؤسائه، أو الدول المعادية للأنظمة الراعية لتلك المواقع، بل تحشد طاقتها وقتها بترويج مقالك الموجه ضد بلدك بالترويج على شبكات التواصل الاجتماعي المدفوع بالدولار.

ثم تتشابه، بل تطابق مع الأنظمة المحلية في صناعة «النجم الإعلامي» الذي يبدي رضا عن الدولة الراعية ومدح الأمير أو الملك أو الرئيس، وتغض الطرف عن المخالف غير المأمون قلمه، مما عرفوا عنه من عقيدته في الحرية الجامحة من خلال كتاباته القديمة.

فتتصدر مقالات المحظيين صفحات الموقع، وتكون الأسرع نشرًا، والأسرع ترويجًا، أما الآخرون فيظلون بالأسابيع كي يفرج عن مقالاتهم فتنشر!

أما حقائق الموضوع برمته على وجه التفصيل، أن هذه الدول تعمل على فرض هيمنة إعلامية تكون كمنصة صواريخ، لكنها موجهة للعقول، فتلجأ للظهور الإعلامي المؤسسي بأكثر من لون وثوب مع توحد الأفكار والأهداف.

وبعضها ينشئ القنوات الناطقة بالعربية على خلاف لغته ليصل إلى التأثير المطلوب، والمنطقة مهيئة بالفعل لعبث الأفكار، آيلة للسقوط، وما هو إلا وقت.

فحلم العودة للإمبراطوريات القديمة والتي ورثته بعض الدول كإرث تاريخي قد عاد مجددًا لا يخفى على أحد، فهو منتشر في الآفاق من خلال افتعال الحروب وخوضها بغرض التوسع كروسيا وفرنسا من غير الدول العربية والإسلامية.

وبالطبع فهناك دول دخلت الملعب مؤخرًا تحاول كسب أنصار ومؤيدين من الشعوب، وتصدر لهم أنهم (أي تلك الدول) أنها الحلم والأمل، من خلال العزف على المشاعر الحالمة والغاضبة لتلك الشعوب المقهورة.

ليس عندي مشكلة في الاختلاف مع الحكام المحليين، لكن المشكلة الكبرى أن بعض شباب الجيل الصاعد يعتمد في بنائه الثقافي على تلك المواقع، وبعضهم يسب وطننا صراحة ليس غضبًا كزفرة عابرة، بل عن قناعة!

هذا الخلط غير المقصود والذي نتج عن جهل أو قصور ثقافي، أدى لضعف الانتماء واحتقار الأوطان، وأصبحت الدول الراعية بما تقدمه بخط مواز من نزاهتها وقوتها ورفاهيتها حلم يجب السعي إليه إما بالهجرة إليها، أو استنساخ أنموذجها السياسي والاقتصادي، بغض النظر عن خصوصية الأنظمة بكل إقليم، والجهل بكيفية إنتاج نظام مناسب ونموذج مناسب نابع من الشعب ذاته وليس مستوردًا بما فيه وعليه.

ولا يعلم مثقف الغد أنه من خلال الفضاء المفتوح وتلك المواقع تعاد صياغة عقله وأدلجته ليكون نصيرًا خاملًا لسياسات توسعية جغرافية وثقافية لدول أخرى.

بالطبع، يساعد على ذلك الأنظمة المحلية، وقبضتها الديكتاتورية على قنوات الرأي وسيطرتها على الإعلام.

لذا فالمستقبل غير مأمون، فهناك عبث مستمر بالولاء، فالمثقف الصاعد لا يفرق بين الحاكم والوطن، وهذه المواقع وتلك الدول تدرك ذلك وتنخر فيه بهدوء ولين، وبخبرة وحنكة خبيثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد