يعتزم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القيام بزيارة رسمية للجزائر مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول) 2018، حسب ما أعلنه الديوان الملكي السعودي، هذا الإعلان عن الزيارة تزامن وتصريح دونالد ترامب حول موقفه من قضية ما بات يعرف بجريمة مقتل خاشقجي التي ستكون قد دخلت شهرها الثالث منذ حدوثها عند زيارة ولي العهد للجزائر.

عودة دور الجزائر على الساحة الإقليمية والدولية

التغيرات الحالية والمتسارعة على الإقليم والمحيط العربي شكلت عاملًا قويًا لعودة الجزائر؛ لأن تلعب دورها الإقليمي بشكل كامل وفعال.

إن قضية مقتل الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بإسطنبول دفع بالكثير من القوى الدولية الكبرى إلى مساومة السعودية – المتهم الرئيس في هذه القضية – وكان على رأس هذه القوى المساومة الولايات المتحدة الأمريكية. هاته الأخيرة التي ساومت السعودية بضرورة الرفع من نسبة إنتاج البترول للدفع بهبوط أسعار البترول في السوق الدولية، هذا الأخير الذي يخضع لاتفاقات منظمة الأوبك والتي تعد السعودية أحد أعضائها الرئيسين، وهذا نظير سكوت الولايات المتحدة حول هذه القضية ومساندة المملكة السعودية دوليًا والدفاع عنها.

لقد كان لسقوط نظام القذافي بليبيا تداعيات جد خطيرة على دول الجوار الليبي، وعلى رأسها الجزائر، فكمية السلاح التي وقعت بين أيدي الجماعات المسلحة في المنطقة، وتشكيل لتنظيم مسلح غير دولاتي تحت مسمى جيش الساحل، دفع بالجزائر إلى ضرورة البحث عن حل سريع وعاجل وفعال لتسوية الملف الليبي ووجوب حله في الوسط المغاربي بعيدًا عن أية مساومات، وتدخل من خارج دول المغرب العربي، وحث نظام السيسي (المقرب جدًا من دوائر الحكم في المملكة السعودية) بالتوقف عن التعدي على الحدود الليبية الثرية بالبترول والتي تعتبر عمقًا أمنيًا جزائريًا.

وحث الحكام في الإمارات بالتوقف عن التدخل في الشأن الليبي وعن دعم حفتر ومليشياته المسلحة، وضرورة عودة الإمارات لحجمها الجيو – استراتيجي الحقيقي الذي كانت عليه خلال فترة حكم الشيخ زايد، وعدم لعب أدوار أكبر من حجمها والانتباه لتوظيفها في خدمة قوى لا تريد الخير لشعوب المنطقة.

طلب وساطة الجزائر بين تركيا أردوغان والمملكة السعودية

لا يختلف اثنان على أن قضية مقتل خاشقجي وتفوق المسؤولين الأتراك في استغلال هذه القضية لصالحها واستثمارها لمصلحتها؛ مما سبب إحراجًا كبيرًا لنظام الحكم السعودي عامة، وللعائلة الحاكمة السعودية بالخصوص، واستغلال قطر للقضية من خلال آلتها الإعلامية قناة الجزيرة، دولة قطر التي فرضت عليها السعودية والإمارات حصارًا دخل عامه الثاني تجمعها علاقات جد متينة مع النظام في تركيا (بحمكم التوافق الأيديولوجي بينهما) وهذا ما تسوقه دول الحصار بأن نظام الحكم في كل من قطر وتركيا إخواني ويسيطر عليه الإخوان الذين لا تتفق معهم الأسرة الحاكمة في السعودية، أما نظام السيسي فهو الآخر ليس في أحسن أحواله في علاقته مع تركيا أردوغان، لتبقى الجزائر التي تتسم سياستها الخارجية بالعقلانية والبراجماتية، فعلاقتها مع تركيا وقطر حسنة وطيبة خاصة في العلاقات اللإقتصادية حيث يفوق حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتركيا قيمة 4 مليارت دولار أمريكي.

هذا ما يدفع بالسعودية ربما الى طلب وساطة جزائرية بينها وبين أردوغان من أجل ايجاد مخرج مريح ومقبول لقضية مقتل خاشقجي خاصة بعد التصريحات المتعددة للرئيس التركي أردوغان بأنه لا يريد إلا الخير للملكة السعودية شعبا وحكومة، حتى أنه صرح في أحدث تصريح له بأن قوى الشر العالمية تحول توريط السعودية في حرب كبيرة يكون مسرحها دول الخليج! وإبلاغ تحمس السعودية من أجل إعادة العلاقات الثنائية القطرية من ناحية، والتركية من ناحية أخرى .

العلاقات الجزائرية المغربية والدور السعودي

في خطابه الأخير بمناسبة اليوم الوطني للمملكة المغربية، دعا الملك محمد السادس الجزائر إلى حوار شفاف وصريح، ومناقشة القضايا محل الخلاف بين البلدين المغاربيين المتجاورين، وعلى رأس هذه القضايا محل الخلاف قضية الصحراء الغربية، وقد تناول الإعلام السعودي، خاصة قناة العربية، هذه الدعوة بالكثير من التحليل والنقاش؛ مما يعطي للمتابع أن دعوة الملك المغربي كانت بإيعاز من جهة ما، ولتهيئة الأجواء لطرح هذه القضية عند لقاء المسؤولين السعوديين ونظرائهم الجزائريين. الموقف الرسمي الجزائري من هذه الدعوة نستطيع القول إنه تم تجاهله، ولم يصدر أي موقف رسمي من الجزائر إلى غاية دعوة أصدرتها الجزائر نهاية الأسبوع الحالي لاجتماع على مستوى وزراء خارجية دول اتحاد المغرب العربي في أقرب وقت، هذه الخطوة الذكية للدبلوماسية الجزائرية (التي تعتبر كرد غير مباشر) تضع النظام المغربي على محك صدق النوايا وكشف حقيقة الغرض من دعوة الملك المغربي الجزائر لتجاوز الخلافات، فإن كان سليم النوايا فليتحمس للاجتماع ويعرض من خلاله أفكاره ومقترحاته لتجاوز الخلاف إلى مناقشتها والحوار حولها بجدية وصراحة. وستدعو الجزائر السعودية إلى التزام الحياد والابتعاد عن ابتزاز الوحدة المغاربية، وذلك بابتزاز الجزائر من خلال تحريك الشقيقة المغرب والملف العادل للصحراء الغربية.

 وفي الأخير لا يمكن تجاهل ملف الغاز الطبيعي والمنافسة على السوق الأوروبي، والذي يعتبر سوقًا جزائريًا خالصًا، والمعني به بشكل مباشر دولة قطر، وبشكل غير مباشر تركيا عن طريق تسويق الغاز الروسي.. ومناقشة ملفات كل من القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطبني في ارضه، وإبراز حقيقة ما أصبح يعرف بصفقة القرن، إضافة إلى ملف سوريا ووجوب الحفاظ على وحدتها الترابية.
هذا دون تجاهل ملف اليمن ووجوب توقيف الحرب وإنهائها وضرورة إعادة إعماره، هذا بالإضافة إلى ملف العلاقات مع الكيان الصهيوني وخططه في التوسع على حساب الاستثمار في تأجيج المنطقة العربية، والذي لن تسلم منه حتى المملكة السعودية في المستقبل القريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد