ها بدأت أرواحكم تتساقط الروح تلو الأخرى، وأنفاسكم تلاشت كأنكم لم تكونوا، وعظامكم اليوم رميم، وقد التف التراب بالتراب، وسيبدأ عند هذا الحساب، وإن الأرواح الشريرة تتساقط في الدرك الأسفل من الجحيم والعذاب، وأرواح البررة والأبرياء تتصاعد إلى عليين، لتنعم بجلال وجه رب العرش ورب هذه الأرواح المتساقطة التي ظنت يوما أنها الأرباب، فلمن الحكم اليوم؟!

 الآن، لستم أولى من الحاضرين لنحصي جرائمكم ونقيم لكم محاكمة غيابية، وقد أفلتم من عدالة الأرض ووقعتم أخيرًا بين يدي عدالة السماء التي لا يظلم عندها أحد، ولكننا سنعدد جرائمكم حتى لا ننسى، وحتى لا يتهاون هذا القلب ويسامحكم في دماء إخوة لنا، ولكي يعرف أبناؤنا أن هذا الحاضر من ذاك الماضي، وأن أعداء اليوم نطاف أعداء الأمس، وأن الحكم توارثه الخونة عن الخونة، وأن الوطن ضحية ولكن نهايتكم شقية، وأن الذين يحاجوننا في عدم الترحم عليكم مرددين «اذكروا محاسن موتاكم» إنما يحاجوننا في سبيل الباطل، وكيف يحاجوننا في دمائنا التي ساحت، وأموالنا التي نهبت وبذرت، وأعراضنا التي اغتصبت، وأرضنا التي استبيحت؟، وكيف يحاجوننا في اليتامى أبنائنا، وفي الأرامل من نسائنا، وفي صفوة أهلنا الذين شردتموهم وهجرتموهم؟، ثم أي المحاسن نذكر لهؤلاء الموتى الذين ظلت طعنتهم فينا مفتوحة تلفظ الدم؟!

 عشرية كاملة لا نقصان فيها (1989- 1999) قمتم بهندسة أشكال مسبوقة وغير مسبوقة للقتل والتعذيب، المسبوقة كانت مستنسخة عن طرق الاستعمار الفرنسي الذي عمر في الجزائر لقرن وثلاثين سنة (1830 – 1962)، وغير المسبوقة ابتكرتموها بما يتوافر لديكم من نزعة إجرامية، ورميتم الجثامين على قارعة الطرقات، واحتفظتم ببعضها ليصير أصحابها في عداد المفقودين، ووظفتم الشعب الأعزل باعتباره ورقة رابحة لحربكم على إرادته الحقيقية، ولفقتم التهم الباطلة لغيركم. .

 كل شيء كان مقبولًا بالنسبة لكم للقضاء على آخر رأس حر رافض لمحاولاتكم استعباده واستبداده، الذين يرددون «اذكروا محاسن موتاكم» في محاولة للظهور بسماحة الملائكة إنما يشجعون الديناصورات الحاكمة اليوم في الاستمرار على ما هي عليه، لأن رد الفعل هذا يشجعكم على الكثير، ويعكس مدى ذلة وخنوع الشعب لكم، واستسلامهم لأمر الطيش السياسي كأنه قدر محتوم لا ينبغي إلا الإذعان له والرضى به دون مقاومة، ولغلق باب انحراف المفاهيم لدى الشعب نذكرهم اليوم بماهيتكم، وبما يجب أن يكونوا عليه عند سقوط الطواغيت من عدم الانسياق وراء المشاعر اللحظية، واتخاذ الموقف الصارم الحازم الذي لا تؤثر فيه الظروف والخطابات الجوفاء، ولا تؤثر فيه محاولتكم تبييض الرموز السوداء مثلما سودتم يوما الرموز البيضاء، بل وتحاولون اليوم الانقلاب على التاريخ الذي يأبى إلا أن يظل صامدًا أمام عمليات التزوير والتزييف التي تمارسونها لانقاذ أنفسكم، ولكنم تفشلون.

 إذن، قلتم ولا حق قولكم بما معناه «نحارب ربكم»، ها انتصر ربنا، وأخذكم بقرار الموت المبين، لا يصمد قبالته أي قرار للحياة، وقلتم: «آن للرعب أن يغير معسكره»، فإذا عنيتم معسكر الشعب فقد أفزعتم، وأخفتم، وأرعبتم، وحق لكم الفخر يوم كنتم تظنون أنه لا رقيب لكم ولا حسيب عليكم، أما الآن فإن أهل هذا المعسكر «المغبون» يطلبون من ربهم أن يحول الرعب إلى معسكركم الأبدي، وذلك الرعب يداوله الله بين الظالم والمظلوم.

 إننا لا نوزع الجنة والنار بين الناس، ولكن الله أبى على نفسه إلا أن يكون أول ما يفصل فيه بين عباده هو الدماء، وأن من ظلم نفسه فإن الله إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر، ولكن التوبة من الظلم يشترط فيها أن يعفو المظلوم عن الظالم، فإذا لم يعفُ المظلوم لم يعفُ الله، وإذا عفا المظلوم، عفا الله عن الظالم وصفح، وإن هذا الشعب الموجوع لم يصفح، فأي صفح وعفو من الله ترجونه أيها الظلمة؟!

لقد ضللتم الناس، حتى لم يعرفوا الجلاد من الضحية، ولم يعرفوا الشيطان من الملاك، وضاعوا ضيعتم رشدهم وعقلهم، وتعبوا أتعبتم أرواحهم، أضنيتموهم قهرا، فذوقوا اليوم مما كنتم تصنعون، وكنتم تظنون أنكم تحسنون صنعًا، أنتم السابقون وسيلتحق بكم اللاحقون، وإنا من المنتظرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد