منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011، والتي اختار النظام طريق الوحشية لإخمادها بكل ما أوتي من قوة ودعم ومساندة من الدول الأخرى، كروسيا وإيران وغيرهم من ميليشيات طائفية، بدأت رحلة النزوح والتهجير والتغريبة السورية بأقسى فصولها وأشكالها.

لم يكن النزوح والعيش في مخيمات اللجوء الداخلية والخارجية خيار السوريين عن طيب خاطر وقبول، بل كان خيارهم رغمًا عنهم فـ«مجبر أخاك لا بطل» للعيش في مخيمات اللجوء أو في دول الجوار.

لم تقتصر رحلة التغريبة السورية على بلد محدد، فاختار العديد منهم دولا مجاورة مثل لبنان، وتركيا، والأردن نظرًا إلى قربها، وربما لسهولة دخولها بالنسبة لباقي الدول العربية التي أوصدت بابها في وجه من احتضن الكثيرين منهم، لاسيما لبنان إبان ما يسمى بحرب تموز 2006، فما زلت أذكر أفواج اللبنانيين التي وفدت على كافة بقاع سوريا، وما زلت أذكر كمية الحفاوة التي احتفل بها السوريون أثناء ذلك، وكيف كانوا يتسابقون بين بعضهم بعضًا لاحتضان عائلة لبنانية على حساب عوائلهم السورية.

دارت الأيام واضطر السوريون للنزوح إلى لبنان، فكيف كانت رحلة السوريين هناك؟ وكيف تعاملت لبنان حكومة وشعبًا مع النازحين السوريين؟

يقدر عدد اللاجئين السوريين في البلاد بنحو 1.5 مليون لاجئ بحسب إحصائيات الحكومة اللبنانية، حيث يعيشون ظروفًا صعبة وقاسية في مخيمات بوادي البقاع أو الأحياء الشعبية، ويتعرضون لشتى أنواع الاعتداءات والممارسات العنصرية بشكل يومي معظمهم من المسلمين السنة، وأن هذا يعد جانبًا غير مرحب به من جانب النخب المسيحية والشيعية التي بدورها تشعر بالتهديد من إمكانية وجود أغلبية سنية، بينما تعمل أحزاب مثل «التيار الوطني الحر» وحزب الله.

السوري أكل البلد

غالبًا ما يشار إلى أن السوري وراء كل الأزمات الاقتصادية في لبنان، بل حتى إنه سبب كل شيء، لدرجة أنه تسبب في انتشار البطالة في صفوف الشباب اللبناني الذي ما فتئ يطالب بمنعهم من العمل؛ لأنهم سوريون فقط، متقنون لعملهم.

السوري سبب مرض السرطان في لبنان

أثار تقرير عن أسباب مرض السرطان في لبنان نشره موقع قناة «MTV» اللبنانية موجة من الانتقادات الساخرة من عنصرية القناة ضد اللاجئين السوريين في لبنان.

وجاء في التقرير أن هناك سببين لانتشار مرض السرطان في لبنان، الأول «أزمة النفايات والتي لم تحل حتى اليوم، إضافة إلى التلوث المتفاقم في البحر والبيئة بشكل عام، توضع في حالة مسببات السرطان نظرًا إلى استمرار وجودها لفترة طويلة» .

والسبب الثاني هو «الالتهابات المتزايدة بفعل تكاثر اللاجئين السوريين في لبنان؛ إذ إنها وبحسب القناة، تسبب بمرض السرطان بشكل غير مباشر فـ«هؤلاء، بسبب الظروف السيئة التي عانوا منها مرغمين، يأتون ببكتيريا خطيرة قد تخلق الأمراض لدى الإنسان».

ممارسات عنصرية ضد السوريين في لبنان

تتنامى الممارسات العنصرية ضد السوريين في لبنان منذ أعوام حتى يومنا هذا، وتتنوع هذه الأساليب بوحشيتها وعنصريتها بدءًا من ضرب الأطفال وحرقهم وتهديدهم بالذبح، مرورًا بمنعهم من التجول، وصولًا إلى حد القتل، والذنب الوحيد لهم أنهم سوريون على أرض لبنان .

في يوليو (تموز) 2014 ظهر مقطع فيديو لأب لبناني يشجع طفله على ضرب طفل سوري احتجزه في إحدى غرف المنزل.

وبالتدقيق في اسم الولد الذي يحمل اسم عباس، تبين لنا أن الطفل ووالده ينتميان لحزب الله الذي يدافع عن الأسد بقتل السوريين داخل سوريا.

وفي مشهد آخر يتنافى مع كل شيء يمت للإنسانية بصلة، ظهر رجل لبناني بمقطع فيديو يهدد ثلاثة أطفال سوريين بالذبح بسكينه التي يحملها بيده، إذ تملك الأطفال الثلاثة الرعب بعد أسئلة ذاك المجرم اللبناني «مين بدنا ندبح أول» وسط صرخات وتوسل الأطفال الذين لا ذنب لهم سوى أنهم سوريون على أرض لبنان.

عندما يلوح وحش بالسكين في وجه ثلاثة أطفال لاجئين من سوريا ويخوفهم بالذبح، نوقن أن داعش منتشرة بأكثر من شكل ولون ودين، وكلها إرهابي. *ناشطون

وفي مارس (آذار) 2017، تعرض الطفل أيهم المجذوب «14 عامًا» لاعتداء وحشي أثناء ممارسة عمله كصبي توصيل في محل لبيع النرجيلة في البقاع الغربي.

فخلال رحلة التوصيل في منتصف الليل، توقفت دراجته النارية بسبب نفاد البنزين منها.

حاول أيهم سحب بعض البنزين من دراجة نارية تعود إلى أحد سكان المنطقة، فانتبه له صاحبها الذي بدأ بضربه، قبل أن يسكب عليه البنزين ويشعل فيه النار.

أصيب المجذوب بتشوهاتٍ كبيرة في وجهه وجسده، ونُقل إلى قسم العناية المركزة في مستشفى «جعيتاوي» في بيروت، وقالت أمه خوفًا على أسرتها: «ليست هناك أي مشكلة مع أحد، ولا يوجد أحد حَرَقَ ابني، إنما انفجرت زجاجة البنزين في وجهه».

قصة الطفل السوري أحمد الزعبي تعد الأقسى والجريمة الأكبر في لبنان

أحمد الزعبي طفل سوري 14 عامًا، من مدينة درعا، يعمل ماسحًا للأحذية كي يعيل أسرته، لطالما اشتكى أحمد من عناصر بلدية بيروت اللذين تعودوا على ملاحقته وتكسير صندوقه بحجة أنه مخالف، هذه المرة لم يكسروا صندوقه، بل طاردوه ولحقوا به إلى أن لقى حتفه بعد سقوطه في منور أحد البنايات من الطابق السادس، وتركوه هناك لتكتشف جثته بعد ثلاثة أيام بعد إبلاغ أهل أحمد الشرطة باختفاء ابنهم، كاميرات التصوير المحاذية لمكان عمل أحمد كشفت ملاحقة عناصر البلدية وتورطهم في مقتل الطفل، لكن الشرطة اللبنانية تحفظت، بل تكتمت على الموضوع، كون أحمد سوريًّا وذنبه أنه سوري، وليس لديه أي تهمة أخرى.

 ما التهمة التي فعلها لكي يقتل بدم بارد؟ هل لأنه يحاول أن يبحث عن العيش الكريم؟ أم لأنه سوري!
*شاهت وجوهكم- روان الزعبي

محاولة منع السوريين من العمل في لبنان

في سبتمبر (أيلول) 2018، بدأ الأمن العام اللبناني بمنع لاجئين سوريين من مواصلة أعمالهم في محال تجارية، بحجة أنها مخالفة، وهدَّدهم بعقوبات صارمة في حال لم يغلقوا محالهم خلال 24 ساعة.

وقال موقع «بنت جبيل» اللبناني، إن «عناصر من الأمن العام اللبناني تقوم بجولات على أصحاب المحلات من التابعية السورية، لتسوية أوضاعهم، منذرين المخالفين بالإقفال خلال 24 ساعة، بالإضافة إلى تغريم أصحاب المحلات عن كل عامل سوري مبلغ مليون ليرة (نحو 700 دولار أمريكي) بدل إقامة».

ووفقًا للمصدر نفسه، فإن الإجراء الذي اتخذه الأمن العام، قوبل بارتياح من قبل تجار وأصحاب محلات لبنانية في مدينة صيدا «واعتبروها إيجابية لوقف المزاحمة لتجار المدينة، وكذلك توفير فرص العمل للشباب اللبناني»، على حد قول موقع «بنت جبيل».

وبرَّر الموقع تحرك الأمن العام بقوله، إن «السوري المسجل لدى المفوضية العليا للاجئين، ويحمل صفة لاجئ، لا يحق له العمل على الأراضي اللبنانية»، بحسب قوله.

وأصدرت بعض السلطات المحلية عددًا من القرارات التي ضيّقت على السوريين، كمنعهم من التجول في بعض المناطق بعد الساعة السابعة مساءً، أو منعهم تمامًا من مزاولة العمل، فضلًا عن تشديد يرفضه الأمن العام اللبناني على السوريين الراغبين في دخول أراضيه، رغم تأمينهم لكافة الأوراق المطلوبة، وفقًا لما أكده سوريون كما أنه منذ العام 2015 والبلديات اللبنانية تفرض واحدة تلو الأخرى قرارتها بمنع تجول السوريين ليلًا.

ونشرت بعض البلديات لوحات كبيرة في الأزقة والطرقات، تحذر السوريين من مخالفة القرار، فيما أذاعت بلديات أخرى البيانات عبر مكبرات الصوت والمساجد، بل أكثر من ذلك منع بعضهم زواج السوري من لبنانية تحت طائلة التهديد والوعيد.

تكسير محلات السوريين في لبنان

وفي 23 يناير (كانون الثاني) 2019، اعتدى عشرات الشبان في بلدة عرسال الحدودية مع سوريا (شرقي لبنان)، على محال تجارية يملكها لاجئون سوريون داخل البلدة.

وذلك بعد مظاهرة خرجت في شوارع البلدة «احتجاجًا على الوجود السوري ومزاحمة اليد العاملة السورية للبنانيين».

وتظهر لقطات مصورة عشرات الشبان يكسرون محلات يديرها سوريون في البلدة، عبر رشقها بالحجارة والأدوات الحادة، بالتزامن مع كيل للشتائم والعبارات النابية بحق أصحابها، مطالبين إياهم بالرحيل.

فنانون ومحطات لبنانية وسخرية عنصرية

منذ البداية عملت محطات لبنانية محسوبة على بعض التيارات من استخدام اللاجئين كمادة دسمة للسخرية في بعض برامجها، كان أشدها عنصرية أغنية في برنامج ساخر ظهر على قناة «الجديد» اللبنانية. «يا عين عالسوريين بالأرض اللبنانية»، هكذا تبدّلت كلمات الأغنية الشعبية «عالعين موليتين» في برنامج «قدح وجم» الذي يعرض على شاشة «الجديد».

الأغنية، التي أدّتها مقدمة البرنامج ليال ضو، أثارت ردود فعل واسعة بين اللبنانيين والسوريين الذين وصفوها بالعنصرية، لاسيّما أنها رأت أن اللبنانيين أصبحوا «مغتربين» في بلدهم وأن السوريين هم الأكثرية.

منتقدة بسخرية كثرة الإنجاب عند اللاجئين، إذ تقول بعض كلماتها «فاتوا على الغرفة تنين من شي كم صيفية اسم الله الغرفة فيها اليوم دزينة وشوية».

كما شن الفنان اللبناني، طوني حدشيتي، والملقب زين العمر، هجومًا كبيرًا على سوريا واللاجئين السوريين الموجودين في لبنان من خلال عدة تغريدات نشرها على حسابه الشخصي في «تويتر».

وقال العمر في إحدى التغريدات، مهاجمًا السوريين في لبنان، «لمّا 3 مليون ضيف بيسكنوا على أرض لبنان دون أي محاسبة هيدا صار اسمه احتلال نعم احتلال رسمي، لبنان بخطر من عشاق الإنسانية الكاذبة».

وأضاف في تغريدة أخرى «الله لا يسامح كل حدا خرب لبنان من 1975 لليوم مين ما كان يكون، وأجري بالإنسانية إذا كانت على حساب لبنان. مرحبا إنسانية كلها شر».

لاقى الفنان هجومًا حادًا وانتقادات كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وأطلق هاشتاج #زين_العمر_يتحول_إلى_شين_العمر.

مسؤولون لبنانيون يهاجمون اللاجئين السوريين

شن وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل هجومًا على اللاجئين السوريين وطالب بعودتهم إلى بلادهم. وبين خلال كلمة بالاجتماع الوزاري العربي الأوروبي في بروكسل أن اللاجئين السوريين يهددون وجود لبنان. وأشار باسيل أن فكرة إدماجهم على الأراضي اللبنانية، تزيد خطر الإرهاب على أوروبا.

السوريون من أسباب انقطاع الكهرباء في لبنان. *سيزار أبي خليل

وقال إن «مليون ونصف نازح سوري أرهقوا لبنان ماديًّا، بخسائر وصلت إلى 40% من ناتجه القومي، وهم يهددون وجوده بتمزيق نسيجه الاجتماعي»، على حد تعبيره بينما يعلم الجميع أن السوريين ساهموا بدرجة كبيرة في الاقتصاد اللبناني.

السوريون قنابل موقوتة ووجودهم يهدد لبنان. *جورج باسيل

ديفيد بيزلي المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي أكد أمام البرلمان البريطاني أن الاقتصاد اللبناني كان سينهار لولم نكن في لبنان ونقدم المال لهذا البلد مقابل وجود السوريين؛ فقيمة المشاريع فقط 2،2 مليار دولار، فثلث أموال المساعدات ينفقها السوريون لشراء المنتجات الزراعية اللبنانية، والثلث الثاني لمنتجات لبنانية مصنوعة محليًّا، وثلث آخر لشراء منتجات عالمية في سوق لبنان، واستغرب غضب بعض مسؤولي لبنان منهم سعد الحريري من وجود السوريين.

النازحون السوريون، وبحسب دراسة أجرتها جامعة أمريكية في لبنان يدفعون سنويًّا 400 مليون دولار إيجار منازل يسكنونها، ويساهمون يوميُّا بمليون ونصف المليون دولار في اقتصاد لبنان، ووجودهم أمن 12 ألف فرصة عمل للبنانيين، وهو رقم لم تؤمنه حكومة لبنان لمواطنيها.

بسبب السوريين اقتصاد لبنان على حافة الانهيار، وميزانية 2019 لا تشمل السوريين. *سعد الحريري

كل ما ذكرناه آنفا لا يعني التعميم على عموم الشعب اللبناني، فبعضهم قدم الكثير للاجئين السوريين، منهم شاب لبناني قدم منزله الكبير لعوائل سورية بعد أن اجتاحت العاصفة الثلجية خيامهم مؤخرًا، وكلامنا كما ذكرناه بالأدلة كان على تيارات مناصرة للنظام السوري، لاسيما حزب الله، والتيار الحر، وحركة أمل، علما أن لبنان اكتوت أعوامًا من نيران النظام السوري نفسه، الذي أجبر هؤلاء السوريين على النزوح من منازلهم إلى لبنان.

لا غرابة في الأمر عندما نعلم أن لبنان قد صنف الثاني عالميًّا في العنصرية بعد الهند، والأول عربيًّا بحسب تصنيف موقع (إنسايدر مونكي) الأمريكي الذي صنف أكثر من 25 دولة عنصرية في العالم عام 2016، هذا إن كان في لبنان دولة تحكم أصلًا، فالتهمة الوحيدة للسوريين هناك أنهم فقط سوريون اضطرتهم الظروف للهروب من ظلم طاغية، ليقعوا تحت تحكم فئة عنصرية بهم وبحياتهم فليس للسوري سوى رحمة الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد