الكثير من الأراء الفلسفية، سواء لمفكرين غربيين لهم ثقلهم في تاريخ الفكر الإنسانى أو حتى لسياسيين شرقيين، تدعو وبصورة أساسية إلى التشجيع على الانتماء للمنظومة ومحاولة إحداث التغيير من الداخل، بمعنى أدق أن تصبح جزءًا من النظام (الـsystem)، ثم محاولة الارتقاء به كخطوة لاحقة، الأمر الذى انتهجه العديد من الإصلاحيين على مستوى العالم، لاسيما في دول أوروبا الغربية، وهو الأمر أيضًا الذي انتهجه العديد من سياسي الشرق الأوسط كأضعف الإيمان فى أغلب الحالات.

إلا أنه بالعودة لدراسة تلك الحالة تحديدًا في الدول الغربية مع إجراء مقارنة شبه محايدة مع العديد من دول الشرق الأوسط، نجد أن حالات التغيير من داخل المنظومة والتي أثبتت نجاحها في الدول الاوروبية، قد أثبتت فشلها الذريع في دول الشرق الأوسط، رغم وجود حسن النية المسبق لدى أغلب السياسيين ممن قرروا خوض التجربة الإصلاحية.

المتأمل في حال كل من التجربتين لن يجد أدنى صعوبة في تحديد السبب الجوهري لتناقض كليهما من حيث النجاح والفشل، فالمبدأ المعروف أن الحياة لا تدار بحسن النوايا يجد تطبيقًا عمليًا له في تلك الحالة.

فعلى صعيد كل من التجربتين، لو افترضنا اتحاد العنصر الأساسى المتمثل في العامل البشري ونيته المسبقة للإصلاح، نجد أنه على الصعيد المؤسسي، يوجد اختلاف كامل فى طبيعة المنظومة أو تكوين السيستم. ففي الحالة الأولى، نجد أن المنظومة الفكرية المسيطرة على النظام تدعم الاختلاف بصورة أساسية، بعبارة أخرى، نجد أن السيستم، ما هو إلا أداة لها غرض أساسي هو تحقيق المصلحة العليا للدولة. استنادًا لذلك، يتم التعامل مع محاولات الإصلاح على أنها محاولات إيجابية تسعى لخدمة الغرض الأساسي من السيستم، ويصبح من يرفع راية التغيير أو الإصلاح عنصر أساسي في تكوين المنظومة، بل بعبارة أخرى سبب قوى في إثراء المنظومة والارتقاء بها، فأهدافه لا تتعارض بأي حال مع الغرض الذي نشأت من أجله المنظومة. الأمر الذي يترتب عليه اختلاف نمط المعارضة في تلك الدول أيضًا، فالمعارضة غالبًا تسعى لتغيير الفرعيات والتفاصيل دون المساس بالأساسيات. بصورة أخرى، المعارضه تسعى للارتقاء من خلال ما يعرف بالنقد البناء، حيث لا يوجد سبب جوهرى للصدام المفضي لدمار كل شيء.

أما في الحالة الثانية، فالسيستم عبارة عن كيان مصمت مستقل بذاته، يعمل على توظيف الأفراد المنتمين له لخدمة أغراضه، بمرور الوقت يكتشف العنصر البشرى الإصلاحي أنه قد أصبح أحد لبنات المنظومة التي لا تعمل لغرض محدد، وإنما توظف جميع المنتمين لها لخدمتها في المقام الأول. بعبارة أخرى، فى الدول الغربية، السيستم مجرد وسيلة أما فى دول الشرق الأوسط فهو الغاية.

الاختلاف الجوهري في طبيعة السيستم يترتب عليه اختلاف ميكانيزم عمله، فهو فعليًا يعمل كشقي الرحى الذي يطحن كل ما يطاله أو كبوتقه تصهر كل من فيها. قلما يستطيع أي شخص الفكاك من تلك المنظومة شديدة التعقيد، وكذلك شديدة الفتك.. بالتدريج يجد العامل البشرى أنه قد أصبح مبرمجًا ربما بإرادته أو رغمًا عنه لخدمة أغراض هذا السيستم.

هنا نجد أن من يعجز عن التأقلم، لا يصبح فقط عبئًا على هذا السيستم، وإنما عدوًا له تطبيقًا لقاعدة من ليس معي فهو ضدي، فتقبل الفكر الآخر النقيض شبه منعدم، بل من الممكن أن يصل لمرحلة العداء لذا يتحول نمط المعارضة للمعاملة بالمثل، العداء التام والرغبة فى التدمير كمحاولة لإيجاد بديل أفضل.

تبرز ملامح تلك الأزمة بصورة أكثر وضوحًا عندما تنتقل تلك العدوى إلى كافة مؤسسسات الدولة، وليس فقط المؤسسة السياسية، ليصبح تأليه السيستم، والعمل للحفاظ على استمراره هو الأساس بغض النظر عن الغرض الأساسى لوجود هذا السيستم، وهو الأمر الذي نتج عنه بالضرورة أن جميع الجهود المبذولة للارتقاء بأي عمل له بعد مؤسسي تذهب سدى، وهو الأمر الذي أدى وبصورة مؤسفة إلى دخول معظم مؤسسات الدولة فى دائرة ما يعرف بالجهود الضائعة أو الجهود غير المخصصة لهدف، فمن المتعارف عليه أن بذل المجهود فى أي عمل يجب أن يخصص لتحقيق هدف معين، أما بذل المجهود في المطلق بدون السعي لتحقيق هذا الهدف هو عبارة عن إهدار للوقت واستنزاف للطاقة البشرية فيما لا يفيد؛ الأمر الذى يترتب عليه دخول تلك المؤسسات في حالة من الثبات فيما يتعلق بالإنجازات الداخلية أو على مستوى الدولة، وكذلك إصابة معظم أفرادها ذوي الرؤية الإصلاحية المغايرة بالإحباط نتيجة حالة الثبات المهدرة للوقت والعمر.

السؤال الآن: متى ندرك أن فكرة السيستم في أي مؤسسة هى عبارة عن وسيلة لأهداف أسمى، وليس غاية يبذل الأفراد وقتهم وحيواتهم من أجلها؟ وهل هناك إمكانية لتغيير هذه الثقافة العنكبوتية التي تستهلك من الوقت والجهد والعمر ما هو غير قابل للتعويض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد