مثل سفينة شراعية مثبتة بحبال ومعتمدة على الرياح من أواخر التسعينات، يرسل أبناء غزة بالوناتهم الحارقة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، ليس لأن غزة لا بحر لها، بل لأن مينائها ممنوع إنشاؤه، وربما بحّارها ضلّ طريقه. وليس لأن التطور والتكنولوجيا لم يصلا غزة، بل لأنها ما زالت غارقة في الحقبة الاستعمارية.

يأتي البالون الحارق، في محاولة دياليكتيكية لتعريفه، قطعة مطاطية رقيقة يتم نفخها بغاز الهيليوم ترتبط بآخرها بحبل لا يقل طوله عن أربعة أمتار في نهايته سلك حديدي طوله متر مثبت فيه قطعة قماش برتولية مغمسة بالسولار، ولإسقاط البالون، يتم تعليق عود بخور في منتصف الخيط بحيث تتوافق تقديريًا مدة احتراق العود مع المسافة التي يقطعها البالون.

بدأ استخدام البالونات في الأسابيع الأولى من مسيرات العودة، أو كما تسميها ويكيبيديا «احتجاجات غزة الحدودية»، ومن ثم أصبح إرسال البالونات غير مرتهن بهذه الاحتجاجات السلمية، حيث تنطلق من أقرب نقطة حدودية بين غزة والأراضي المحتلة من أجل إحداث الحرائق بالمحاصيل والحقول الزراعية التي يسيطر عليها المستوطنون، أو إلحاق الضرر بالمستوطنين أنفسهم، بالرغم من بدائية الهيكل ومحدودية التأثير.

ومع أن دوافع إرسال هذه البالونات تنوعت في الوسائل الإعلامية ما بين: فك الحصار على غزة، تردي الأوضاع الاقتصادية، الاحتجاج على ضم أراضي من الضفة الغربية، الضغط على الاحتلال لإدخال المساعدات المالية، إلا أن الدافع الضمني، أو المحور الذي يمكن جمع كل ما سبق تحته هو: السعي نحو الحرية.

الواقع أن هذه البالونات أحدثت ضررًا تشمل احراق دونمات من الأراضي المزروعة بالقمح والأحراش، وإصابة عدد قليل من المستوطنين، والتأثير على الحياة البرية هناك، خصوصًا أنها تقع داخل أراضي المحميات. بالإضافة إلى إرسال مجموعة من الصور الملصقة على البالونات، أو العلم الفلسطيني، أو العبارات المكتوبة باللغة العبرية.

وقام الاحتلال الإسرائيلي بالرد على هذه البالونات بالتهديد الخطابي، وإغلاق معبر كرم أبو سالم، وبحجب أموال تابعة للسلطة الفلسطينية لتغطية تكاليف الأضرار، وبتشديد الحصار من خلال منع إدخال الوقود، ومواد البناء إليها، ووقف المساعدات والأغذية، وإغلاق البحر أمام الصيادين وأخيرًا بقصف غزة بالطائرات والمروحيات الحربية ودبابات جيش «الدفاع» منذ السادس من الشهر الجاري لهذا العام.

وقصفت قوات الاحتلال مواقع عسكرية وبنية تحتية لحركة حماس جنوب المدينة وأماكن زراعية خالية وأحياء شعبية في غزة أسفرت عن استشهاد خمسة فلسطينيين، وإصابة كثيرين من بينهم امرأة حامل، وأطفال، وقصف عنيف للممتلكات، في حين ردت حماس بإطلاق صواريخ لم تسفر عن أية إصابات معلنةً استعدادها لأي تصعيد.

والفلسطيني في غزة لا يواجه الاحتلال، أو الوضع السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، أو الحصار، أو القصف فقط، بل مجموعة تدابير وإجراءات بمواجهة فيروس كورونا الذي انتشر مؤخرًا لأول مرة في غزة، ومن السهل جدًا اعتبار أي فعل مقاوم ناجم عن أي سبب لما سبق «تهديدًا أمنيًا خطيرًا».

وكجزء من اجراءات الرد على إطلاق البالونات، أعلن الاحتلال تشغيل منظومة «لهيب الضوء» المعتمدة على أشعة الليزر والمخصصة لإسقاط البالونات الحارقة بنسبة نجاح 90%. كما عزز الجيش الإسرائيلي نشر المنظومة الدفاعية «القبة الحديدية» استعدادًا لأي أحداث مستجدة.

على أية حال، لم تغط وسائل الإعلام العربية الحدث في صفحاتها الأولى أو عناوينها الرئيسة في أي يوم من أيام العدوان الإسرائيلي، لأنها إما اكتفت به كخبر ثانوي لملء النشرة، أو استغنت عن وجوده أصلًا، ولم تذكر الصحف الإسرائيلية ما عدا اليسارية منها الحدث، في حين اكتفت وكالات أنباء ومؤسسات إعلامية عالمية بالكتابة عن القصف بعد 10 أيام على الأقل من بدئه الذي يتزامن مع الهرولة العربية للتطبيع، ومع زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للقدس كجزء من جولته في «الشرق الأوسط».

وبالرغم من أن الحدث السيئ إعلاميًا غالبًا ما يتم اعتماده خبرًا، إلا أن تجاهل قصف غزة قد يكون اسثناءً لهذا الافتراض، أو خبرًا ليس بالضرورة سيئًا بالنسبة للبعض، خصوصًا المتمسكين بأجندات وتعليمات مؤسساتهم، وسلم أولوياتها والمعنيين بتغييب الشارع أو الرأي العام عن التفاعل مع الحدث؛ ما يعكس خطورة الصحافة في توجيه قلق الأفراد، وصناعته بدون إدراك المتابع، أو لجعله يبتلع عبارة مثل: «قصف في غزة»، بالرغم من أنه «قصف على غزة».

كما ذكر عضو كنيست سابق في تحليل له أن «القصف الإسرائيلي الجديد لقطاع غزة يؤكد أن نتنياهو يريد إشعال المنطقة، من أجل منع وسائل الإعلام عن القضية الرئيسة، والتي تتمثل في محاكمته بتهمة الفساد»، المضحك أن غالب وسائل الإعلام العربية لم تكترث لا للقصف، ولا محاكمة نتنياهو بالفساد، ولا للاحتجاجات التي تعم المدن المحتلة ضده.

كانت غزة وما زالت ميدانًا للحروب ومقبرة للشهداء إذ شهدت ثلاث حروب في أقل من 10 سنين. فقدت غزة ما لا يقل عن 1200 شهيد في حرب 2008 التي استهدفت حتى المساجد والمستشفيات والجامعات واستخدمت الأسلحة المحرمة دوليًا على المدنيين، تبعتها حرب 2012 أزهقت أرواح 170 فلسطينيًا على الأقل، ودمرت مستودعات للأسلحة ومرافق حكومية وتجمعات سكنية. ومن ثم حرب 2014 أسفرت عن استشهاد 2147 فلسطيني. وفي كل المواجهات، كانت الخسائر الفلسطينية دائمًا تفوق بشكل هائل أي خسائر قد يعاني منها الاحتلال.

وهذا لا يعني أن قصف غزة وقع في هذه السنوات فقط، لكن تبادل إطلاق الصواريخ بين الطرفين وشن الهجوم على الفلسطينيين لم يتوقف ما بين هذه الفترات، آخرها كان عام 2019 بعد اغتيال قائد سرايا القدس بهاء أبو العطا في غزة على يدِ طائرات الاحتلال التي استهدفت منزله، وقتلته وزوجته بالتزامن مع محاولة قتل القيادي في حركة الجهاد أكرم العجوري الذي كان في دمشق بسوريا.

تاريخيًا يعود تكتيك إطلاق البالونات الحارقة إلى الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت اليابان 9 آلاف بالون كبير معبأ بالهيدروجين ومدفوع بقوة الرياح ضد الولايات المتحدة، لكن الفلسطيني لا يلبث أن يعيد إحياء، أو ابتكار، أي سبل للكفاح والسعي للتحرير بما فيها المولتوف الفنلندي، وإرسال الطائرات الورقية. وسواء وجدت البالونات الحارقة أم لا، لا يعني الاحتلال الإسرائيلي أبدًا أن يلتمس سببًا من أجل قصف غزة أو تشديد حصارها، إن أي حجة واهية كانت لتفي بالغرض، لكن البالونات متعددة الأشكال، دائرية أو بيضوية أو على شكل قلب، كانت مزعجة بحق لأنها إنعاش لنزق مقاومة يتجدد ويزعج الاحتلال بالمرتبة الأولى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد