إنه غالباً ما ترى الجريمة في عيون مرتكبيها، تجدها تتبين في نظرتهم، في كلمتهم، حتى في جلوسهم ووقفتهم، إن ذلك اللص غالباً ما يشعر بجرم ما يفعله، ولذك يظهر بتلك الصورة.

هذا هو التفسير المنطقي والنفسي للحالة التي تصيب غالبية التيارات الإسلامية، فهم غالباً ما تجدهم يشعرون بأنهم طرفٌ مهمش من الحياة، وأنه لا يحق لهم الحديث، تماماً كالذي ارتكب جريمة، وإن كان هناك جريمة فليس إلا أنك تسيء للإسلام يا صاحبى الإسلامي، ومن تلك النقطة بالتحديد دعونا نرمي بطيفٍ من حقٍ يقترن بالحياد علي منصات الإسلام المعاصر وأهله، وكيف انخرطوا في المجتمع، أو انخرطوا عن المجتمع.

 

نقطة تحول كبيرة

لا تعجب من شخصٍ قبل عشرات السنين أدار ظهره لمجتمعٍ برمته على خلفية محاكمةٍ من طرفٍ واحدٍ أعلن فيها (القاضي)، الذي هو نفسُه (المدعي) “أن المتهم، وهو المجتمع، لا يصلح للمعيشة وأنه يجب أن أكون (ملتزماً)”، هذا اللقب الذي حصل عليه المدعي قد نأى به ـ نفسه ـ عن ساحة الأهل والصحب، وحتى البيئة، إنه وسام العزلة، من اليوم أنت وحدك، إنه يرى أن العقول اليوم لا تتوافق، ولابد من الابتعاد.

دعوني، أُلْقِ دفقة نورٍ في أذهانكم وأسألكم: لو كان تحول الصحابة من الكفر إلى الإسلام جعلهم منعزلين عن المجتمع فما بربكم تكون فائدتهم؟ لمَ بلال يؤذن بين الناس؟ لمَ حمزة يدفع عن رسول الله في صحن الكعبة؟

لمَ يعلنون إسلامهم؟ أليست بيئتهم أحرى بها أن تهجر!

لن تجد إجابة أكثر من أن الله أمرهم بذلك فقال لمحمد ولأمة محمد (فاصدع بما تؤمر)، فإذا أردت أن تخالف منهجية الله في أرضه فالزم حائطك لا نسمع لك خبراً ولا نرى لك لحية! أفضل لك وللإسلام، إذن أين أتباع محمد من محمد؟

 

لماذا تشعر بالذنب أيها الإسلامي؟

لماذا أري في عينيك تلك الإيماءة التي تنبئني أنك تتمزق بداخلك؟ لم أرى في جبهتك شيئاً أسود، كلما زاد ازداد انعزالك أكثر عن الناس؟ لَم أرى أنكِ بنقابكِ تستترين عن أعين الناس، وتتمنين أن لا يسألكِ أحدهم؟ لم لا تجيب من يسألك: لمَ أنت ملتح؟ كل ذلك وأكثر يجعلك تفكر: هل كوني ملتزماً أن أنعزل عن الناس؟ وأشعر أنني في ضيقٍ من أمري؟

التفسير المنطقي للحالة التي أصابت الإسلامية هي أنهم يشعرون أن المجتمع أكبر منهم، وهم لا يستطيعون المواجهة، وأنك إن سألت عن الحل لذلك ما وجدت مني إلا أن أقصص عليك ما فعله سيدنا يوسف عليه السلام مع مجتمعٍ غادر: *سُجن الصديق في غياهب الظلام وعزلوه عن العالم، وما هو بمنعزل، اتهموه وما هو بمتهم، *ولما دخل السجن دخل معه فتيان (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسى خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا يأتيكما طعامٌ …..الخ)، قبل أن تسبح في أعماق القصة عليك أن توقن أن الصديق ما شرع في تأويل رؤيا الرجلين، ولكن مهد لذلك فاصنع معهما حواراً يكسب به الثقة من غريبين، ومن ثم يبدأ بصناعة عقلٍ ممهد يستقبل الدعوة بفنٍ مطلق.

لو أن ذلك حدث لإسلامي يشعر بالذنب في مجتمعٍ يحاصره، تتخيل ما تكون إجابته! دعنا، نَرْمِ بعقولنا على أطراف الخيال، سيقول مثلاً: (تعال! تعال نجلس وسأقص عليك، ثم تدور ساعة يده من التاسعة إلى الواحدة صباحاً وهو يملك الحديث وحده)، وكأنه يعيش في محيط مغلق (وما صدق) أنه وجد شخصاً معه يتكلم ، فيفرغ شحنة الأيام الخوالي مسكينٌ هذا السامع، أو سيقول مثلاً: (لا أدري، وهو يدري) لأنه لا يري في نفسه الكفاءة ويظن نفسه ناقصاً، أو سيقول بابتسامة مصطنعة بائسة سمع عنها في دورة تنمية بشرية (يا أخي إن ذلك حتماً خير، هل صليت الفجر جماعة )؟

نردف ثم قال سيدنا يوسف للمبعوث الذي سأله عن تفسير رؤيا الملك لما دعاه لمقابلة الملك: (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلي ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم)

هنا ليس متهماً، بل رجلٌ يعرف ماله ويطالب بحقه يفرض نفسه في محيطه ، يرمي إلي ما لم يرم إليه عقلك المحبوس في الذنب.

 

هذا ما يريدوه منا

يريدون منا إسلاماً منزوع الأنياب، يريدون إسلاماً مكتوف الأيدي، يريدون إسلاماً لا يجيد التواصل ولا الدعوة، إنهم أعداؤنا، لن أتكلم عنهم؛ لأنك قد تكون بذلك وما تفعله عدواً لنا معهم؛ لأنك ساعدتهم علي صنيعهم ومرادهم، الأن ما عليك إلا أن تكسر ذلك القيد المغلغل وتنطلق في مجتمعٍ يعاملك وتعامله ينصحك وتنصحه، إنني ويوم كنت قررت الالتزام بسمت الإسلام قررت التخلي كأي ملتزمٍ جديد عن صحبتي القديمة، التي هي بالكاد هي لا تشرك بالل،ه ولكنها تحتاج فقط لمعين، لو أني ابتعدت، ثم ابتعد بعدي فلان، ثم فلان حتى صار كل منا ملتزماً فردياً فمن ينصح المتروكين ؟

حينها سألت نفسي سؤالاً، لو حققت نجاحاً في كوني داعية أو كاتباً، من سأدعو إذن؟ من سيشتري كتبي؟ فلما اكتشفت ذلك مؤخراً عدت إليهم ناصحاً ومصاحباً؛ فساعدوني وساعدتهم وخرجت أخيراً من سجن الشعور بالذنب، وبذلك أفشلت مراد عدوي مني، وكنت كما أقامني الله في مكاني، مسلماً يدعو إلى الله.

 

الجماعات الإسلامية Vs المجتمع

“الإخوان المسلمون”

الفترة الأخيرة أثبتت عدم مقدرة جماعة الإخوان المسلمين على استيعاب مجتمعٍ كاملٍ تحت طياته، بل إن الرئيس الشرعي محمد مرسي لو كان يؤمن بالمجتمع، بأنه مجتمع مصري بأدبه وسوء أدبه، بجماله وخداعه لما وقع فيما هو فيه الآن، بل إنهم أعطوا الأمان لأشخاصٍ لم تعنهم خبرتهم في الحياة علي اكتشاف خدعهم المدبرة، وإن كنت أعرف الحق من الباطل، إلا أنني أؤمن أن الباطل قد أحرز هدفاً في مرمى الإخوان؛ لأن التواصلية الفكرية عندهم لم تكن موجودة، فكان يجب قبل أن تحكم مجموعة من الناس أن تكون مخالطاً جيداً لهم فتعرف ثغرتهم وتعرف كربتهم.

أما ا”لسلفية” فكانوا أعمق من ذلك في الأزمة، إذ حصروا أنفسهم في صومعاتٍ يطلبون العلم ويحفظون ثغور أمهات الكتب، نعم فلقد فلحوا في ذلك وكان لهم الأجر، ولكن يخرج المتعلم منهم بعد سنين طويلة إلى المجتمع فيجده غريباً لا يعرف عنه، إلا ما قرأه في تمام المنة، وما أخبره به الشيخ، يصير بين أمرين إما أن يرجع صومعته ولا يبلغ ما تعلم، ويموت في كنفه لا نسمع له خبراً، أو أن يجازف بالدعوة فيجد الفجوة قد تعاظمت بينه وبين المدعو فهو في وادٍ والمدعو غريقٌ لا يصيب الشاطئ.

وإن جئت “للصوفية” تجدهم أكثر توغلاً في المجتمع، ولكن بدلاً أن يكونوا هدايةً للناس أصابهم الناس بزيفهم، ولن أعطي تلك النقطة أكثر مما قلت!

يبقي لدينا نوعٌ من الإسلامية، وهو هذا “الفرد” الذي لا ينضم لراية من السالفين، ولكنه شريكٌ في الجريمة، إذ إنه تزوج منتقبة، ثم أنجبا ولداً يشارك أبواه الصومعة البسيطة في تلك العمارة المترامية فكرياً قبل أن تترامي جغرافياً، هذا النوع قابلته في سيارة أجرة (ميكروباص).

بدأت الحوار عن استغلال مجموعة من السائقين الذين يوصلون الناس من نفس خط سير الأجرة، إلا أنهم يزيدون مُدداً عن المسافة المقررة يكلف من الوقت خمسة دقائق مقابل خمسة جنيهات، بدلاً من جنيه وربع الجنيه، كل ذلك مقابل جهل الراكب، وعلى ذلك ترامى الحوار في أطراف السيارة، وعلى آذان السامعين، ثم تناول مني السائقُ وجاراه الحديثَ، ثم ارتمى طرف الحديثِ في المقعد الأخير.

ثم صعد بطل القصة على مسرح الحوار، وهو صاحب اللحية عن يساري وبدأ يتكلم، لا يملك من فنون التواصل حتى ما يعيره انتباه المتكلمين، صعد علي مسرح الحوار، ولكنه لم يقف في منتصفه منتصباً ثابتا، بل تتطرف على الحافة؛ إذ غدا يتحدث ولا أحد يسمع، بنغمة هادئة، بكلماتٍ لا معني لها، بنظرات مذنبٍ يتحدث لسيده (وما صدق لقي فرصة للكلام)، ولكن واحسرتاه!

ولما انفض الحديث راح يحكي قصته وهو يذهب لعمله راكباً دراجته

ولا أحد يسمعه، وإنك قد تحكم متهكماً بأن العيب في المجتمع والناس، سأقول لك: ربما ، ولكن لمَ هو بالذات؟ مع أنني أملك ما يملك من لحية وفي نظر الناس كلانا في صفٍ واحد؟ بل إنني أجلس جواره، هاهي حجتك ضدي تتطاير مع الهواء.

 

ينشر صورة داعية إسلامي وهو يلعب مع أصحابه ويقول لك: (مين قال إن الاسلام منعزل عن الناس).

وإنك إن نظرت إلي مجموع اللاعبين وجدت اللحى تحلي وجوههم، هو يلعب مع أصحابه، إذن لا زلنا في نفس السجن ولم نخرج بعد، ولن نخرج إلا حين أرى ذلك الملتحي يجلس في مكانٍ عام برفقة اللا ملتحين، وتلك المنتقبة تكتب مقالاتٍ وتشتري من السوق وتصاحب الفتيات.

 

كلمة أخيرة من إسلامى

يا شباب ورجال ونساء الإسلام، ادخلوا المجتمع واصدعوا بالحق وتجملوا لله، ثم للناس وحسنوا اللسان وأحسنوا الدعوة، فالحق حقٌ نعم، ولكن إن الحق هذا يحتاج لجميل مسموع ومنطوق لكي يقبله الناس، فالدعوة لا يقوم بها الدراويش، وكونوا  قدر المكان الذي فيه أقامكم الله تستقم دعوتكم، يا مسلمون لسنا أصحاب ذنب مرتكب، ولا عقلٍ مكتئب، بل نحن بدين الله آمنا، وله كنا، وعليه سنموت، إن شاء الله.

فلمَ تخجلون من المجتمع؟ ماذا لو كنتم في بورما أو جزر القمر أو أوكرانيا ؟ لو تشعرون بالذنب، ولا تستطيعون تحمل سمت النبي لمَ رحلتم عن أهليكم؟ ألا يكون أجدر أن تعودوا لساحات أصحابكم لتلعبوا الكرة؟ فالإسلام لم ينزل خاصاً بك وبأصحابك، بل لتدعو الناس إليه، ويوم أن قررت إطلاق لحيتك فهذا أمر لا يخصك وحدك، وإنما أطلقتها لتري الناس من أنت ومن نبيك، فأرهم جميل الإسلام، وإنكِ لما امتعطتي حجابك أو زينتيه بنقاب، فهذا لايخصك وحدك ، بل لتظهري لهم كيف الإسلام، فأحسني قماشك وجميل تعبيرك وعبيرك.

أن تكون إسلامياً بالاسم لا يكفي أن تحكم بلداً، أن تكون إسلامياً بالاسم لا يكفي أن تدعو الناس للإسلام. أن تكون إسلامياً بالاسم لا يكفي أن تقيم الندوات وترصص المكتبات،

أن تكون إسلامياً فهذا لا يكفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلاميين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد