يكمن الفارق بين من اختاروا طواعيةً أن يُعَدُوا من مسلوبي الإرادة وبين من ينبع صوتهم الظاهر من خلايا عقلهم الخفي في الإيمان بأنّا بالفعل عبيد أحرار، معادلة معقدة للجاهل يسيرة للعارف.

عبيد لله بكل ما تحويه عقولنا الصلدة عبيد له سبحانه نعبده طواعيةً وحُبًا ننفذ ما يُمليه علينا كِتابًا وسنة وشرعًا نُنَفِذه وننتهي عن الذي نُهينا عنه مرةً بعد مرةً في نصوص صريحة بين آيات القرآن الكريم وبين أحاديث قُدسية ناهيك عن تعليمات النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن ثَمّ فلا تُعد هذه العبودية سُخريةً من عقلك السميك القادر الذي قد تتملك العجرفة في لحظة ما وتصير ذلك الجبار في الأرض وتحسب أنك لا تفنى وتظن أنك إن فنيت فإن لك النعيم أيما تكن وتتناسى أن الخالق لهذا كله هو الله وحده وتصير كصاحب الحقل الذي أصبح صعيدًا زلقًا.

هذا النوع من التسليم والإيمان هو الذي يجعل لحياتك الرثة تلك معنًى واضحًا صريحًا فإن لم يكن الله وإن لم تكن القيامة وإن لم يكن الحساب فلماذا أنت هنا؟

بعد هذه السنين وبعد تلك الصراعات المستمرة رأيت الخلاص في التسليم بما هو مُسلّم به وأن المجاهدة فيما لا طائل فيه رهق متلاحق لا فائدة منه.

ربما يحسب القارئ منكم أن هذا استسلام بحت لكنه اليقين والعقل الذي يقودني إلى أن الله هو الدافع لنا وما الضير في الاستسلام لمبدأ سليم ولمَ نخوض دومًا المعارك الخاطئة إلى جوار الأشخاص الخاطئين؟!

لا أجد عيبًا واحدًا في أن يُعلن الواحد مِنا بأنه وطواعيةً منه عبد لله وحده لا شريك له.

لكننا أحرار. أحرار في تعاملاتنا الخارجية في ظنوننا في مذاهبنا الحياتية في أنواع الطعام واللباس في طرق الحياة في كل شيء. لا يَصح لأحدهم أن يُملي عليك أمرًا واحدًا ويصير فرضًا عليك الفروض لله وحده.

يحق لك عزيزي القارئ أن تقول بملء الفم لا! ما لم يكن هذا الذي تنتويه مُضادًا لأوامر الرحيم ولإرادتك الخالصة وتفهمك للأمور وكيفما تراها من بؤبؤ عينك المتسع.

ربما ضِقتُ ذَرعًا دومًا بهولاءِ الذين لم يَفعلوا شيئًا واحدًا ليُذكر في حيواتهم إلا أنهم حطموا أشخاصًا مرةً بعد مرة وشخصًا تلو الآخر، لم يفعلوا إلا أنهم اهتموا بإصدار الأوامر المتكررة بين مُعلمي الدراسة وبين أطباء الجامعة وأحيانًا الأصدقاء والأقارب وقد يكونون من الأهل حتى.

يُمكنك بكل دقة تذكر تلك المرات الكثيرة التي اتخذت فيها قرارًا رُغمًا عنك تخليت عن شيء أو شخص ليس رغبةً في هذا وإنما إجبارًا.

لا يُمكنك الاستسلام مرة أخرى لخوفك من أحدهم أو من قانون خاطئ فلا أرى أن تُجابه حد الموت في سبيل رأيك واعتقادك لكن جابه في المعركة الصحيحة.

ما زلت أذكر حنقي المُتلاحق تجاه دكتور الجامعة أو معلمة الفصل حينما يلجون الفصل الدراسي أو القاعة لأول مرةٍ في العام ومن ثم يبدأ التهديد والوعيد بالشدة والحدة في التعامل والحذر الشديد خوفًا من عقاب خصم الدرجات أو عندما كبرنا تحول إلى الرسوب في المادة لم أذكر أن أحدهم تحدث بنبرة طيبة جميعهم يتوعدون.

رُبما لأن أبي وأمي غرسوا بداخلي المحافظة على شعور الآخرين دائمًا وأبدًا وصون لساني قدر المستطاع، كان من البديهي ألا أفهم لماذا يتوعدون لماذا يطلبون قصرًا شيئًا منحتهم إياه دونما سؤاله.

أذكر جميع من طالبوني بأشياء لو أنهم انتظروا لوجدوا أني قد فعلتها على أتم وجه لرُبما هذا لأني أمقت القوانين وأميل إلى الإيمان بالأفكار واختيارها طواعيةً.

تغدو الأفكار التي نُرغم عليها أشد مرارةً من الحنظل في نفسي لم أفهمها يومًا لم أجد سببًا كافيًا يدفع أحدهم ليُقنع آخر بفكرةٍ ما مُستخدمًا القوة ليُثبت جدارة الفكرة.

لماذا لا يُطبق مبدأ التجارة في الأفكار أيضًا إن المسألة عرض وطلب بهذا نضمن أن الأفعال والأقوال الناتجة ما هي إلا دلالة على ما في رأسك.

ينقص الواحد منا – ولا أستثني نفسي – أن يعرف جيدًا ما له بقدر معرفته ما عليه وأن يُفرق بين أنواع العبودية وأنواع الحريات وألا تأخذه العزة بالإثم ويجابه في معارك لا طائل منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد