ها نحن من جديد أمام كارثة وحادث صناعي أليم يوم 4 أغسطس 2020 في بلد عربي مثل لبنان معتمدين بتصنيفه كحادث على التقارير والتحقيقات الأولية، والذي أودى بحياة المئات وجرح وتشريد الآلاف وتلف الممتلكات وهدم البنية التحتية المتهالكة أصلًا في بلد يعاني اقتصاديًا وسياسيًا. رحم الله القتلى وسرع بشفاء الجرحى وصبر أهل بيروت المنكوبين.

أتابع التقارير المصورة والتغطية الإعلامية الكبيرة في المنطقة والإقليم ولفت انتباهي استضافة المحللين السياسيين والعسكريين ليعلقوا على الحادث الأليم، بينما التغطية الغربية تستضيف متخصصين في إدارة الكوارث الصناعية وتركز أكثر على حيثيات وأسباب الحادث – التخمينات الأولية تشير إلى أنه حادث – وطرق مساعدة لبنان في البحث والإنقاذ.

أرجعت بعض التغطيات الغربية المسموعة والمكتوبة أسباب التفجير الكارثي، والذي قد يعادل هزة أرضية بدرجة 4.5 على مقياس رختر إلى انفجار كميات كبيرة تصل إلى 2750 طن من نترات الأمونيوم مخزنة في مستودع بميناء بيروت، وأكدت التقارير الأولية على عدم توافر معلومات عن كيفية حصول الانفجار حاليا، وتدعم بعض مقاطع الفيديو المصورة هذا السيناريو لشدة الانفجار في مكان محاط بالمدنيين وغياب أي معلومات عن حيثيات تخزين ونقله وسبب وجوده.

إعلان حالة الطوارئ

أعلنت حكومة لبنان في صباح اليوم التالي بيروت منطقة منكوبة بالتزامن مع إعلان حالة الطوارئ من قبل الأجهزة الأمنية، والتي تضع صلاحيات المؤسسات الأمنية وغير الأمنية تحت تصرف الجيش للتعامل مع الحدث، وعندها أتساءل مع معنى إعلان حالة الطوارئ الناتجة عن حادث صناعي أو كيميائي في بلد مثل لبنان أو إعلان بيروت مدينة منكوبة. لكن قبل الإجابة عن هذا السؤال من الضروري توضيح أن هذا الحادث لن يكون الأخير في المنطقة في ظل غياب إطار محلي وإقليمي لإدارة الكوارث بشكل فعال وعلمي بعيدًا عن السياسة.

عودة على بدء

كمتخصص في إدارة الطوارئ والكوارث كتبت كثيرًا وأحاضر أكاديميا وتدريبيا بضرورة وجود منظومة وطنية متكاملة للتعامل مع الكوارث بأنواعها الطبيعية والصحية والكيميائية والصناعية والإرهابية، وذلك لتفادي هذه التهديدات إن أمكن والتخفيف من آثارها والاستجابة الفعالة المنسقة لإنقاذ الحياة ومساعدة المجتمع والتسريع إلى عودة الحياة لطبيعتها بأسرع وقت ممكن من خلال برامج الدعم بأنواعه. ومن جديد وليس بعيدا عن الفشل الواضح للتعامل مع وباء كورونا العابر لدول الإقليم والذي لم يسلم من دواعيه دول لها باع فعال في التعامل مع الكوارث بشكل عام والصحية بشكل خاص مثل أمريكا وأوروبا، أجد نفسي مضطرًا لإرسال رسالة طوارئ إلى أصحاب القرار في بلاد الإقليم لضرورة تبني آلية ومنهجية متكاملة للتعامل مع الكوارث بأنواعها مبنية على العلم والتجربة وخبرات البلدان التي سبقتنا. أثبت وباء كوفيد-19 عدم وجود عمل مشترك بين دول العالم في إطار التعامل مع الكوارث العابرة للقارات، وذلك في ظل تواجد أكبر ثورة اتصالات إلكترونية وعلمية عرفها التاريخ لتسهيل تبادل المعرفة، على العكس تماما زادت النزعة الشعبوية وتعززت قوى التطرف العرقي وظهرت أحادية القرارات والانعزالية بين دول العالم مغلقة حدودها ومتناسية مصالح شعوبها وإهمالها اللجوء للعلم والعلماء.

للإجابة عن ماهية حالة الطوارئ، يجب توضيح ركائز منظومة إدارة الكوارث الوطنية، والتي تتيح إعلان حالة الطوارئ في مدينة ما كأحد أدوات إدارة الطوارئ وليس هدفا بحد ذاته، يجب الإشارة للمرة المليون أن عناصر إدارة الكوارث هي حصيلة علم أكاديمي مبني على تجارب ميدانية منذ عام 1930. يجب التنويه هنا لاختلاف مصطلح «إدارة الكوارث» عن ما يتداوله بعض الإعلاميين كمصطلح «إدارة الازمة» والذي قد يستخدم للتلميح عن تكتيكات سياسية للتعامل مع موضوع سياسي ويتضمن مبدأ الربح والخسارة والمصالح وغياب البعد الأخلاقي في التعامل مع الأزمة السياسية. مصطلح «إدارة الكوارث» يشير إلى البرامج والإجراءات التي تقوم بها الدولة أو المؤسسة في هذا السياق للحد من الكوارث بأنواعها الطبيعية والصحية والصناعية والتخفيف من آثارها على الحياة ومساعدة المجتمع والموظفين على العودة للحياة الطبيعية، فهي مسئولية الدولة على المستوى الوطني والإدارة العليا على مستوى الشركات ومؤسسات القطاع العام.

حالة الطوارئ كأداة لإدارة الكارثة وليس لإعلان حرب

تُخول منظومة إدارة الطوارئ الوطنية صاحب القرار السياسي استخدام إعلان حالة الطوارئ لتسهيل وتفعيل الاستجابة الوطنية والدولية وتوجيه موارد الدولة البشرية والمالية وغيرها للاستجابة للكارثة بتوفير الخدمات التالية:

· الإنقاذ والبحث.

· الخدمات الطبية.

· استعادة الخدمات الحيوية كالطعام والكهرباء والماء.

· حفظ الأمن للمجتمع.

· البدء بإجراءات التعافي والعودة للحياة الطبيعية كالمنازل والمدارس.

· ضخ وتسهيل الدعم المادي للمجتمع المحلي لإحياء الاقتصاد المحلي.

يؤدي بيان إعلان حالة الطوارئ بدول الإقليم غالبًا إلى تفويض صلاحيات إدارة الكارثة إلى الجيش في ظل عدم وجود إطار وطني معني بإدارة الكوارث والاستعداد والتدريب عليها من خلال منظومة واضحة المعالم. قد يعلق البعض هنا بوجود لجان أو خلايا إدارة أزمة تقوم بالتعامل مع الكوارث بمعظم دول الإقليم وأقول لهم أثبتت التجربة عدم فعالية هذا التوجه وخصوصًا في ظل عدم وجود إطار عملي ينظم مهام وأدوار أعضاء هذه اللجان والذي غالبًا يكون ردة فعل وليس منهجية استباقية للتعامل مع الكوارث بعقلية الحد من المخاطر.

سأشرح هنا باختصار شديد جدا عناصر منظومة إدارة الكوارث الوطنية لتوضيح تداخلها واعتمادها على المنهج الاستباقي في التعامل مع الكوارث بأنواعها على أمل أن يصل صوتي لأحد صناع القرار.

الالتزام والدعم السياسي والأخلاقي المطلق

تبدأ منظومة إدارة الكوارث بالالتزام السياسي الكامل من رأس السلطة السياسية بضرورة وضع استراتيجية وخطط وإجراءات وطنية لحماية أفراد المجتمع بشكل استباقي، والتأكيد على أن هذه مسئولية الدولة وأجهزتها ومؤسساتها من خلال الدستور وما تجمعه من ضرائب ورسوم من أفراد المجتمع.

مؤسسة مدنية وطنية مستقلة لإدارة الكوارث

تهدف هذه المؤسسة لوضع التشريعات والإجراءات والسياسات للحد من الكوارث بأنواعها وتعتبر مستقلة ماليا وإداريا وترفع تقاريرها مباشرة لأعلى سلطة سياسية كرئيس الدولة للحد من تداخل المصالح. يقوم على إدارة المؤسسة فريق مدني في اختصاصات الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير وإدارة المخاطر وعمليات الاستجابة للطوارئ وعلوم التعافي والقانونيين المختصين بوضع التشريعات القانونية وعرضها على السلطة التشريعية والتنفيذية. كما تدعم المؤسسة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية لإيجاد وتوفير تخصصات إدارة الكوارث لتزويد المجتمع بقيادات مختصة في هذا المجال.

إطار الجاهزية الوطني

يهتم هذا الإطار بتحديد منظومة وفلسفة الجاهزية لمنع الكوارث بأنواعها الطبيعية وغيرها ويهدف للتخفيف من اثارها من خلال منهجية الجاهزية وبرامجها باستخدام مصفوفة دائرية واضحة ذات عناصر محددة وتشمل التالي:

· تحديد المخاطر ثم تحليلها (حسب القطاع أو المجتمع أو الجغرافيا، إلخ).

· تحديد الموارد المطلوبة للحد من المخاطر المسببة للكوارث وتخفيفها.

· توفير هذه الموارد البشرية والمالية والمعدات من قبل السلطة السياسية.

· وضع خطط استجابة واضحة المهام والادوار للاستجابة للكوارث.

· التدرب على خطط الاستجابة المشتركة باستخدام إطار تنظيم إدارة الحدث الميداني والذي سنتطرق إليه لاحقًا.

· مراجعة برامج وخطط المصفوفة بغرض التعلم وتحديد الثغرات.

· التطوير المستمر.

يقوم الإطار بتحديد أنشطة وبرامج وطنية فرعية لتحقيق العناصر الرئيسية السابقة فمثلا يُلزم الإطار جميع المؤسسات الوطنية المعنية بتزويد خدمات الطوارئ بإبرام اتفاقيات دعم ومساندة تطوعية بين القطاع العام والخاص للمساعدة في الاستجابة للكوارث من خلال إتاحة الموارد البشرية والمعدات في حالة الكوارث.

إطار الحد من الكوارث وتخفيفها

يهتم هذا الإطار بوضع منهجية علمية وطنية من خلال برامج تحديد وتحليل المخاطر في الدولة ووضع إجراءات استباقية وقوانين للحد منها وتخفيف آثارها في حالة حدوثها وفرض هذه الإجراءات على جميع القطاعات في الدولة للامتثال والتنفيذ. يشمل الإطار تحديد منهجية حماية البنية التحتية للدولة من وسائل الاتصال والنفط والغاز والكهرباء والمياه والمال والأمن الإلكتروني والمعالم الوطنية ورموز الدولة السياسية.

منظومة إدارة الكوارث الميدانية

تهدف هذه المنظومة إلى تحديد معالم وأساليب إدارة الكارثة ميدانيًا بداعي تنظيم الاستجابة بين المؤسسات المستجيبة ووضع نظام قيادة وسيطرة واضح المهام والمسئوليات وضمان التواصل المستمر والتنسيق الفعال بين تلك المؤسسات ميدانيًا وإمداد فرق إدارة الكوارث الاستراتيجية بالمعلومات لطلب الموارد وصنع القرارات المعنية بإنقاذ الحياة وحماية فرق الاستجابة.

إطار الاستجابة الوطني

يهتم هذا الإطار بتحديد الأدوار والمهام والمسئوليات بين المؤسسات المعنية للاستجابة للحوادث والكوارث الكبرى بأنواعها وأطر التنسيق بينها وذلك لتفادي تداخل صلاحيات المؤسسات مما يؤدي إلى الفوضى وتضارب الصلاحيات واحتمال زيادة الخسارة بالأرواح والممتلكات.

إطار التعافي من الكوارث

يحدد هذا الإطار إجراءات ومصفوفات واضحة تعمل على مساعدة المجتمعات المحلية والمتضررة من الكوارث للعودة إلى الحياة الطبيعية بأسرع وقت ممكن من خلال توفير الخدمات التالية:

· المنازل المؤقتة إذا لزمت.

· الدعم المالي أو القروض الميسرة للسكن.

· الدعم المالي للأعمال والشركات.

· إدارة المخلفات وحطام الكوارث المضر بالإنسان والبيئة.

الخلاصة

ما حصل في بيروت مؤلم لنا جميعًا وربما يتكرر في أيّ بلد بالإقليم، ولكن ما يؤلمني أكثر أنه قد يكون قد نتج عن إهمال وغياب منظومة للطوارئ وحماية حياة افراد المجتمع، وفي جميع الأحوال لم تستجب مؤسسات الدولة للكارثة بشكل منهجي وفعال وهذا واضح لغياب تلك المنظومة والاكتفاء بإعلان حالة الطوارئ والتخبط بعدم وجود منظومة لإدارة تلك الطوارئ استباقيا وليس ردة فعل. فالاستجابة لكارثة شبيهة تفوق قدرات فرق الطوارئ أو الخدمات الطبية بل تحتاج لمنظومة استجابة متطورة متعددة المهارات والواجبات تبدأ عملها قبل وقوع الكارثة بوقت طويل جدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد