من المؤكد أنك تساءلت ذات مرة عن سر الوجود، هو سؤال مصيري لدى كل عاقل لبيب، يراوده من حين لآخر ولا يمل من تكراره، فتتعدد التصورات والرؤى حسب نوازع السلوك البشري وميولاته. هناك من يرى أن لكل شيء موجود دورًا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون عبثيًا أو محض صدفة، وهناك من لا يستكبر عن طرح فرضية التطور من العبث ثم الانتظام التلقائي شيئًا فشيئًا، وهناك من لم يعد لأفكاره مضمون وتاه في نظرية الدجاجة والبيضة أيهما أوجد الآخر، وتتعدد الأفكار والاستدلالات وتتلون بتلون الإنسان ووجهة سلوكه الفكري، ما يوحد كل هذه التوجهات هي الرغبة في إنارة جانب روحي معتم في عقول البشر ألا وهي معرفة أسرار هذا الكون والقوة الخارقة التي أوجدته وتديره. وهنا أقحمنا أنفسنا في منطق الفكر الميتافيزيقي الذي يعيننا في البحث عما وراء المنظور والمرئي أي فهم نظرية ومدلول ما يسمى بالقوة الخارقة أو «الإله» باعتباره مفهومًا دينيًا.

أنا مع اعتبار أن الفكر الميتافيزيقي (أو ما يعرف بــــــ«ما بعد الطبيعة» أو «العالم خارج نطاق العلم») لم ولن يرتقي إلى درجات العلم المجرد، لأن هذا الأخير يهتم بالجزئيات وتفاصيلها بينما هذا الفكر ينطلق من العام ويرتكز على التفكير المنطقي خارج إطار المحسوس والمعاينة المادية، أي ينظر في طبيعة «الإله» والوجود ككل من خلال الذاكرة الجمعية التي تورث عبر الأجيال وكلنا نتفق أن فيها الواقعي وفيها الموغل في الخيال والأساطير، وفي هذا السياق أنا لن أكون مجرد ناقل لا لحجج فلاسفة البراغماتية الذين يرون أن هذا الفكر محض هراء ومضيعةٌ للوقت لا فائدة منه وبين من يرون بأنه الأصل وهو أساسي لمعرفة الوجود الحقيقي وبالتالي تعريف معضلة «من أنا وما المغزى من وجودي؟» في هذا السياق سأحاول أن أتجرد من عواطفي كليا، رغم استحالة ذلك لأنها جوهر الطبيعة البشرية ومكنونها، وسأحاول أن أوازن بين اللاهوتي والوضعي دون الخضوع للمسلمات التاريخية ذات الطابع الفلسفي.

يمكن تقسيم البشرية إلى صنفين: صنف مؤمن أن هناك قوة خارقة – أو كائنًا ذكيًّا حسب وصف البعض – تدير الكون، وصنف ينكر ذلك ويعتبر هذا المبحث كالبحث عن قطة سوداء في العتمة ولا وجود لها في الحقيقة وهم اللادينيين وعددهم قليل، إذ يقدر أن هناك 85٪ من المؤمنين في العالم، بما في ذلك 35٪ من المسيحيين و20٪ من المسلمين و1٪ فقط من اليهود والبقية ديانات أخرى غير مشهورة كالتي سبق ذكرها، ولا يوجد سوى 15٪ بدون ديانات!

هذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك حاجة السواد الأعظم من البشر التواق لمعرفة هاته القوة الخارقة أو «الله». إذ يؤكد الدكتور جاستون باريت من مركز علوم الانسان والعقل في جامعة أوكسفورد الأمريكية وفريقه المتكون من 57 باحثًا، هذا الأمر (أي الميولات الدينية لدى الإنسان) في دراسة استغرقت ثلاث سنوات عبر 20 دولة يمثلون ثقافات مختلفة. وبينوا تجريبيًا على سبيل المثال أن الأطفال يؤمنون فطريًا بالله دون حاجة للتلقّي وهو ما يناقض كتاب «وهم الإله» للاديني الشهير ريتشارد دوكينز.

وفي المقابل هناك دراسات عن الملحدين أو النافرين من الدين ،حيث قاموا بتسجيل الحالة الانفعالية لقلوبهم وأدمغتهم، باستعمال مجسات في جلودهم، في اللحظات التي يشتمون فيها «الله» فوجدوا إشارات مماثلة لانفعالات المؤمنين بالله بل وجدوا نفس مشاعر الخوف والرهبة لكلا الطرفين. وهذا يثبت تضاربا كبيرًا مع انفعالاتهم العاطفية، وربما يكون سببا رئيسيًا لإقدام الكثير منهم على الانتحار.

حتى لدى جمهور العلماء، دارت مناقشات واسعة مطولة بين بعضهم البعض، على سبيل المثال كان ألبرت أينشتاين يقول إن العالم يحتاج إلى الدوافع الأخلاقية التي كان يتسم بها غاليليو ونيوتن وغيرهم من الذين ساهموا في تبيان أن الكون كينونة واحدة ومحركه قوة واحدة لا علاقة للبشر بها، وأبرز أن الكون إنما هو تجسيد لعظمة «الخالق» ولا يمكن لأي عالم «حقيقي» أن ينكر ذلك، بل استفاض في نقاشه وقال لا بد أن يكون العالم «الحقيقي» مؤمنًا، ومن جملة ما تعلل به أن الروح التي أعطيت لكل واحد منا تتحرك بنفس الروح التي تدير الكون. ويستخلص أنه لا يجب أن ينتابنا الشعور بالقلق لما سيحدث بعد الموت طالما قمنا بواجبنا على أحسن وجه وهو «أن نحب وأن نخدم».

أخيرًا وليس آخرًا صادف أن دار نقاش بين جراح أعصاب روسي ورائد فضاء روسي لاديني، فقال رائد الفضاء أنه صعد إلى السماء مرارًا وتكرارًا ولم ير الله ولا ملائكته، فعقب عالم الأعصاب بأنه قام بالكثير من العمليات على أدمغة ذكية لكن لم ير «فكرة». وفي موضوع متصل هناك من طرح مسألة الله خلق الدماغ (أو العقل) أم الدماغ هو الذي خلق الله وهنا سنجد أنفسنا في حلقة مفرغة تعيدنا إلى من حيث انطلق منظرو الدجاجة أم البيضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد