«أنت ولا حاجة.. كلنا ولا حاجة»

كم من بشر اقتتلوا بسبب هذه المعضلة الأزلية؟ وكم من نفس نحرت بلا ذنب؟  كم من حب تلاشى؟ كم من عدواة نشأت؟ كم من روح تلوت في أسى؟ وكم من موصول قُطع؟

تلك المعضلة معضلة إيمانية. عقدة لا يمكن فصلها عن رحلة الإنسان الوجودية، اللاهثة، خلف الحقيقة. الحقيقة التي لم ولن يدركها أبدًا، والتي لن يكف يومًا عن ملاحقتها، كما لا يكف الظمآن عن مطاردة السراب في الصحاري.

ولكن هذه المعضلة لا تؤدي حتميًا إلى العواقب التي أدت لها على مر التاريخ. كل الدماء التي سفكت.. ولا زالت تسفك.

الأسئلة الصعبة

حتى نصل إلى المعضلة التي أقصد، تعالوا نبدأ من أس المشكلة: تحدي الأسئلة الصعبة الذي يواجه كل إنسان. دعني أبدأ بمجال الدين، الذي تتجلى فيه المعضلة بوضوح، قبل أن أوسع نطاق تحليلي ليشمل مجالات أخرى.

لا يهدأ بال الإنسان ولا يستكين قلبه طالما هناك أسئلة بلا إجابات تؤرقه. أسئلة ملحة. تطن في ذهنه، تتخبط في أرجاء دماغه، وتأبى أن تدعه وشأنه حتى يتوصل لإجابات شافية. وكثيرًا ما تكون تلك الأسئلة صعبة. يعجز العقل عن فك شفراتها بيسر. لا يكفي المنطق لحسمها. وينكمش العقل البشري صاغرًا أمام هولها.

أين الله؟ هل هناك إله؟ وما الدين الذي يرتضيه هذا الإله إن وجد؟ ماذا بعد الموت؟ حياة أم فناء؟ بداية أم نهاية؟ وهل الإنسان مُسيَّر أم مُخيَّر؟ ولماذا خلقنا الله؟ هل خلقنا الله أصلًا، أم لفظتنا الطبيعة غير متعمدة؟ وما الفائدة من الحياة، إن كان الموت آت لا محالة، وكل شيء إلى زوال.

ولأننا لا نطمئن إلا بالعثور على إجابات، أوعلى الأقل أشباه إجابات، وُجدت الأديان. اختلفنا أو اتفقنا في كونها نتاج تنزيل إلهي أم اجتهاد بشري، الأكيد أن كلًا منها يحوي إجابات على تلك التساؤلات العصيبة، وتعليمات أخرى متسقة مع تلك الإجابات ترشد البشر للطريق الذي يجدر بهم سلوكه في دنياهم.

هناك من يختارون الدين. وهناك من يكفرون بالأديان ويقتنعون بإجاباتهم الخاصة. وهناك اللا أدريين، الذين إما اختاروا التغاضي عن مثل تلك الأسئلة والتوقف عن البحث ــ وهذه إجابة في حد ذاتها، ليست هروبًا، وإنما ترفعًا متواضعًا إن جاز القول ــ إما اختاروا أن يمارسوا روحانيتهم بشكل خاص، لا يتبع دينًا معينًا، ويتفكرون وحدهم في إجابات أو اتجاهات تشفي صدورهم، غير تلك التي في الأديان.

كلٌ يحتمي في إجاباته. يتخذ موقفًا لكي يضع حدًا لزن الأسئلة على دماغه. ولكن المشكلة لا تكمن هنا. بل هي نابعة من طبيعة الإيمان.

طبيعة الايمان

الدين والإلحاد وما بينهما، صور مختلفة للإيمان. وما الإيمان؟ يمكنني محاولة تعريفه، الإيمان هو الاقتناع بفكرة ما في موضوع ما، دونًا عن غيرها من الأفكار في نفس الموضوع، واعتبار هذه الفكرة هي الحقيقة دونًا عن غيرها. يعني لأني صدّقتُ أن هذه الفكرة هي الحقيقة، تبنيتُها واقتنعتُ بها. آمنت بها.

أختار الإسلام لأني مقتنع وليس عندي ذرة شك أن هذه هي الحقيقة، أن محمد هو خاتم الأنبياء وأن القرآن كلمة الله، التي أنزلها بعد التوراة والإنجيل. أنا ملحد إذًا أنا أرفض فكرة وجود إله، وأرى أن المؤمنين يتوهمون. أنا مسيحي إذًا أنا مؤمن بالمسيح المخلص، الذي صُلب من أجل إنقاذ البشرية، وسأنفذ تعاليم المسيحية دونًا عن غيرها من الديانات والمبادئ لأني مقتنع أن المسيحية هي الدين الحق.

كل تلك المعتقدات محاولات لإدراك الحقيقة. وكلها تنصب نفسها في عقل المؤمن بها كالنسخة الأصلية لتلك الحقيقة.

إذن فإن مفهوم الإيمان لا يمكن فصله عن مفهوم الحقيقة المطلقة. فالمرء لا يصل لدرجة الإيمان، إلا إذا اقتنع اقتناعًا دفينًا أن الرؤى الأخرى لا تحتوي على الحقيقة، وأن معتقده هو الذي يقربه من الحقيقة المطلقة، بل هو نفسه الحقيقة المطلقة. هذه طبيعة الإيمان. ويترتب عليها خطران رئيسيان.

 الفرض العنيف

أول خطر هو السعي البدائي العنيف لفرض معتقدي على الآخرين. أنا مقتنع أن إيماني هو لب الحقيقة المطلقة، ولا أتصور كيف يمكن أن يغفل الآخرون عن تلك الحقيقة، أو أن يرفضوها ويؤمنوا بأفكار أخرى. كيف! كيف يتركون الحق البين وينجرفون وراء روايات مغلوطة وأحاديث مزيفة؟! فإذا بي أنطلق جامحًا في مهمة أراها مقدسة… مهمة إجبار الآخرين على تبني معتقدي، مؤمنًا أني بذلك أخدم البشرية وأنهض بالإنسانية وأهدي العالمَ إلى مقر الحقيقة. غير واع لكم الانتهاك الذي سأقترفه تجاه حرية الآخرين واستقلاليتهم، ولا لكم المعاناة التي سأختلقها، ولا لكم الدم الذي سيسيل.

ولنا في حروب الأديان، وعنف الجماعات الدينية، وداعش حاليًا، عبرة. كما لنا في حياتنا اليومية عبرة من خلال كل وقائع العنصرية والاضطهاد لأصحاب المعتقدات الشاذة عن السرب. يا جماعة، في التسعينات، تصوروا أن هناك حكمًا صدر بالتفريق بين ناصر حامد أبو زيد وزوجته قسرًا، لأن أفكاره مختلفة. طب تأملوا ما يطال من يقرر أن يعتنق دينًا غير دين ولادته. وملوا أبصاركم من كم الحالات التي يفرض فيها الأهل الحجاب على بناتهن ضد رغبتهن. والأمثلة لا تحصى.

 النظرة الدونية

الخطر الثاني أقل حدة في حد ذاته من الأول، ولكنه قد يكون أكثر خطورة من حيث التوغل والانتشار، والتخفي. ذلك الخطر يكمن في النظرة الدونية التي قد يدفعنا لها إيماننا. فأنا مؤمن كل الإيمان أن معتقدي هو الملم بالحقيقة، أنه الوحيد الملم بها، وإلا ما كنت فضلته على غيره. فإذا نظرت إلى غيري وإلى عقيدته، قد أنزلق بسهولة في فخ النظرة الدونية له، هو المؤمن بكلام باطل.

قد تتلون تلك النظرة الدونية بألوان مختلفة :

كالاحتقار، «هي مش عارفة أن الحجاب فرض ولا إيه؟ جتها القرف. بنات منحلة».

أو الشفقة المتعالية، «يا عيني، بيصعبوا عليّ المسيحيين، هيخشوا النار».

أو الارتياب، «المسلمين مش بيحبونا، هُمَّ كده».

أو العدوانية «يا ملحد يابن الـ****، يا كافر يا ****، هتتشوي في جهنم أنت واللي زيك!»

أو النفور، «أحمد يا حبيبي، متلعبش مع أطفال مسيحيين».

ولكن تبقى كلها من نفس الفصيلة، درجات من العنف المعنوي مسؤولة إلى حد بعيد عن الانقسامات داخل المجتمع، والعنصرية، والانغلاق على الذات، وقطع دابر النقاش المثمر، ورفض الآخر بشكل عام. عندما يتحقق ذلك الخطر، قد تجد أبناء الوطن الواحد، بل أعضاء الأسرة الواحدة، لا يقبلون بعضهم البعض بسبب اختلافهم في الإيمان. وتجد النظرة الدونية تنخر في الاحترام المتبادل، وتكوْن لنار الكِبْر حطبًا. تجدها تُحيل المحبة سخطًا وكراهية، والألفة ريبة وتأهبًا.

ارتكزتُ على الدين والروحانية في كلامي، لأن المأزق فيهما جليّ، ولكن التحليل ذاته ينطبق على شتى أمور الحياة. الأسئلة الصعبة في كل مكان: أي نظام سياسي الأفضل؟ أي مرشح أنسب؟ أي وجهة نظر أسلم في هذا الخلاف؟ أي مطلب أكثر شرعية؟ أي تقليد يُحبَّذُ استمراره، وأي تقليد يجدر بنا التخلي عنه؟

وكل يجد  لنفسه «دينًا» في هذه الأمور، رؤية يرتاح إليها ويعتمدها كالحقيقة (إلى حد أقل من شؤؤن الدين بالطبع، ولكن ليس بكثير)، ليصد بالإجابات عذاب الأسئلة المتحدية. طبيعة الإيمان لا تختلف جوهريًا.

وبالتالي، فالأخطار المترتبة على الإيمان بفكرة دينية، أو لا دينية، هي ذاتها الأخطار المترتبة على الإيمان بفكرة سياسية، أو مبدأ فلسفي، أو عرف اجتماعي، أو موقف أيًا ما كان.  في عجالة:

«خلاص! نحبس اللي مش عاجبه. نعتقلهم كلهم!»

«الشيوعية فكرة ساذجة، وكل الشيوعيين كفرة ولاد ***».

«العلمانية كفر. نفسهم الستات كلها تمشي عريانة، ويكمموا صوت الدين».

«الليبرالية انحلال. اللهم احفظنا!».

«المجنونة دي مش عايزة تتجوز».

«أنت شايف كده؟ انت أكيد مبتحبش البلد ومش وطني».

«إزاي ترتبط بواحد أصغر منها! عقلها فين؟!».

«رأيك أهبل».

ويمكنني أن أؤلف كتابًا من مثل تلك العبارات وحدها. نفس خطر الفرض بالعافية، وتسميم التعايش بالاحتقار.

كيف يمكن إذن التوفيق بين قيمة الإيمان، عمق أثره في النفس، وبين احترام معتقدات الآخرين؟ فما دمت آمنت بهذا دون ذاك، فأنا أرى أن رأيي الحقيقة، والباقي مجرد محاولات، كيف أحترم اختيارهم إن كنت بإيماني الشخصي المختلف لا يسعني إلا أن أراهم ضالين؟

 الحل في التواضع

الحل في رأيي يكمن في التصالح مع فكرة أنك، ولا حاجة. وأن كلنا، ولا حاجة. ولكنك أولنا. آه والله.

الحل أن يتواضع المرء، أن يعي جيدًا حجم إمكانية أن يكون مخطئًا. ففرص أن يكون قد أساء التقدير، كبيرة. جدًا. دومًا. كمية العوامل المتربصة به لتوقعه في الخطأ، رهيبة. حتى وإن كنت ترى أن إيمانك أنت هو الصواب والحقيقة، وذلك حقك المكفول، تذكر دائمًا أن هذا مجرد نتاج اجتهادك البشري، الذي مهما عَظُم، ليس بمقدوره أن يرتقي لدرجة اليقين.

حقيقتك ليست الحقيقة المطلقة، وإن استقرت نفسك إلى كونها كذلك. فلن يبلغ بشر تلك الحقيقة المطلقة أبدًا.

لا بد أن يقوّم الواحد منا نفسه باستمرار، ويستحضر تواضعه كلما حان ميعاد التقاء الأفكار. حتى لا يتحول الالتقاء، لارتطام مدمر. فكما تستحق وجهة نظرك، خلاصة فكرك المبجل، كل الاحترام والتقدير، لا تنسَ أن الآخرون سلكوا طريقًا غيرك… فيه تربية مختلفة، ومحيط مختلف، ومعرفة مختلفة، وإمكانيات مختلفة، ومخ مختلف، وأناس مختلفون. سلكوا طريقًا  يُحترم هو الآخر، أوصلهم لاعتقادات مختلفة عنك، تُحترم هي الأخرى. نحترم أولًا، ثم نفكر بعدها سويًا في الفكرة الأكثر إفادة وإقناعًا وتماسكًا وإنسانيةً ومنطقًا. وإن لم نتفق، نكون خرجنا على الأقل  بالاحترام. حجر زاوية التعايش.

لا أريد أن أرتدي ثوب الواعظ الحكيم. فأنا أوصيكم وإياي. لأن التواضع صعب، وكثيرًا ما نقع في فخ الكبر وضيق الأفق في حياتا اليومية، وفي مختلف المجالات. أنا أولكم. نقع فيه في الدين والعلاقات الإنسانية والنقاشات السياسية والعادات الاجتماعية والمبادئ الفكرية. فنعاني كلنا. كلنا والله.

غير أنه يحمي رغد التعايش، التواضع الفكري لا ينتقص شيئًا من الإيمان. بل يزيده رزانة، ويهذبه، ويفتح المجال لتقويته من خلال المواجهة مع رؤى الآخرين، فتعم الفائدة إثر آراء كلها باتت أنضج، وأكثر مسالمة، وأكثر قدرة على البناء.

كلنا بحاجة ماسة إلى التواضع وقبول الآخر، فنحن ضعفاء. مش ناقصين. فكلنا، ولا حاجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد