«أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ».

نتبيّنُ في هذه المقالةِ الطّريقَ العقليَّ السّليمَ لمعرفةِ وجودِ الله تعالى، والذي دلّت عليهِ نصوصُ الوحيينِ الشّريفين، وإنّما اضطررنا لذلكَ حينَ نازعنَا طوائفُ من النّاسِ في هذا الأصلِ العظيمِ من دينِ الإسلامِ الحنيفِ، وإلّا ما احتجنا لبيانِ الشّمسِ لولَا الرّمدُ الذي أصابَ عُيونَ الخلق.

ينقسمُ بحثُ إثباتِ وجودِ اللهِ، تباركَ وتعالى، إلى مرتبتين:

المرتبة الأولى، إثباتُ موجودٍ واجبِ الوُجودِ، مُستحقٍّ للوجودِ الدّائمِ والحقّ. والطّريقُ في ذلكَ:

أوّلًا: إثباتُ أنّ الكائناتِ مُمكنةٌ مخلوقةٌ لله تعالى، وذلكَ عن طريقِ المُشاهدةِ (الدليل الحسّي)؛ إذ نعلمُ اضطرارًا أنّ هناكَ موجودَاتٍ، وأنَّ منها الحَادِثَ (أي المخلوقَ) بعد أن لم يكُن، كما نعلمُ أنّنا حادثونَ بعدَ عدمنا، كالسّحابِ والنّباتِ والدّوابّ وغيرها من الشّواهدِ، كما ذكرَ الله تعالى في قوله: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» (البقرة 164). وهذه الموجودات، وغيرها، يمتنعُ أن تكونَ واجبةَ الوجودِ لأنّها لو كانت كذلكَ لاستحالَ عدمُها ولوجبَ قِدمُها، فهي إذن موجودةٌ مُمكنة مخلوقةٌ.

ثانيًا: إثباتُ أنَّها – المخلوقات – مُفتقِرةٌ في وجودها لواجبِ الوُجودِ، تعالى؛ وذلكَ أنَّ الموجودَ بعدَ العدمِ يستلزِمُ مُوجِدًا يُوجِدُه، وهذه قضيّةٌ عقليّةٌ ضروريّةٌ، ومثالها أنَّ طفلًا لو ضربهُ ضاربٌ لم يرهُ أو ذُهِلَ عنهُ لسألَ: من ضربني؟ فإن قيل له: لم يضربكَ أحدٌ، لم يقبل عقلهُ ذلك لأنّهُ يعلمُ أنَّ لكلِّ فعلٍ فاعلًا. وكذلكَ الصّنائعُ كالكتابةِ والبناءِ تحتاجُ إلى مُحدِثٍ وفاعِلٍ. وذلكَ معنى قولِ الله تعالى: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون» (الطور 35)؛ أي أنَّ الخلقَ يستلزمُ خالقًا، والفعلَ يستلزمُ فاعلًا وهكذا… فالمفعُولُ [به] مفتقرٌ لفاعلٍ لِزامًا كما هو مُقرَّرٌ في كلِّ فروعِ العلومِ (لغةً، ومنطقًا وفلسفة وطبيعيّات).

فمن أقرَّ أنَّ ما في العالَمِ مخلوقٌ بناءً على ما سبقَ، وأنَّ هذه المخلوقَات ممُكنةٌ ناقصةٌ مُفتقرةٌ بذاتها لشيءٍ يوجدُها، عُلِمَ أنَّهُ يلزمُ من ذلكَ إثباتِ واجبِ وُجودٍ سابقٍ على الممكناتِ مُتّصفٌ بالكمالِ والغِنى عمّا سواهُ (أي غيرُ مُفتقِرٍ لشيءٍ) وهُوَ خالقٌ (فاعلٌ) للمخلوقاتِ (المفعولاتِ) لاستلزامِ الفعلِ فاعلًا يفعلهُ كما ذكرنا.

المرتبة الثانية، بيانُ أنّ واجبَ الوُجودِ هذا هو اللهُ سبحانهُ وتعالى لا غيره. والسبيلُ في ذلكَ:

إثباتُ صفاتِ المُوجِدِ وأنّها هي صفاتُ الله تعالى، عندنا؛ والصّفاتُ المُستلزمةُ لكونِ الواجبِ، تقدَّسَ، إلهًا مُستحقًّا للعبادة، باختصارٍ، ستٌّ وهي:

  1. القُدرةُ: والدّليلُ على ذلكَ أنَّ الفِعلَ في المُشَاهَدِ لا يصحُّ إلّا من قادرٍ، ولمّا صحَّ الفعلُ من الواجبِ، تعالى، وجبَ أن يُقالَ قادرٌ.
  2. العلمُ: والبُرهانُ على ذلكَ أنَّ الأفعالَ المُحكَمَةَ (كالبناءِ والخياطةِ والكتابةِ) لا تصحُّ على وجهها من قادرٍ إلّا بعلمٍ، وقد صحَّ من الواجبِ، تعالى، زيادةٌ على ذلكَ من خلقِ الإنسانِ على عجائبِ ما فيهِ من الصّنعةِ والإتقانِ، فوجبَ أن يُقالَ عالمٌ.
  3. الحياةُ: ودليلُ ذلكَ أنَّ كلَّ ما صحَّ أن يقدِرَ ويَعلمَ وجبَ كونهُ حيًّا، وقد صحَّ من الله تعالى ذلكَ فوجبَ أن يكونَ حيًّا.
  4. الوُجودُ: وقد أسلفنا بُرهانهُ سابقًا، ونزيدُ؛ أنّهُ – الواجب – قادرٌ، وبما أنّا نعلمُ أنَّ المعدومَ (غيرَ الموجود) لا يصحُّ منهُ الفعلُ، فوجبَ أن يكونَ الواجبُ موجودًا.
  5. الغِنى: وبيّنةُ ذلكَ، زيادةً على ما أسلفنا، أنّ من جازت عليهِ الحاجة واللّذةُ وما يقعُ من النّقائصِ كانَ ناقصًا، فوجبَ تنزيهُ الواجبِ عن ذلكَ من بابِ الأولى.
  6. الوحدانيّةُ: وبُرهانُ وحدانيّةِ الواجبِ الخالقِ أنّهُ لو كانَ معهُ غيرهُ لكانَ قديمًا (أوَّلًا) مثلهُ، فوجبَ أن يستقلَّ بالقُدرةِ عنهُ ويكونَ قادرًا بنفسهِ، ولو كانَ ذلكَ لجازَ أن يُريدَ أحدُهما تحريكَ حجرٍ والآخرُ يريدُ سُكونهُ، وذلكَ لا يخلو من ثلاثة وُجوهٍ:

الأوّل، أن يكونَ مُرادُهما جميعًا، وذلكَ مُحالٌ لتضادّهما.
الثاني، أن لا يكونَ مُرادُهما جميعًا، وذلكَ مُحالٌ لأنّهُ دليلُ النّقصِ والضّعفِ، وذلكَ مُحالٌ في حقِّ القادِر.
الثالث، أن يوجدَ مُرادُ أحدِهما، وذلكَ يُوجبُ أنّهُ الأقوى، فيكونُ الآخرُ (الأضعفُ) ليسَ بقادرٍ مُطلقٍ إذ تعلّقت قُدرتهُ بغيره، فلا يكونُ إلهًا.

فثبتَ أنّ الواجبَ، تعالى، واحدٌ لا شريكَ لهُ، وذلكَ معنى قولهِ تعالى «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ، إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ» (المؤمنون 91)، وقولهِ تعالى «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ» (الأنبياء 22).

فهذه أصولُ الصّفاتِ للواجبِ تعالى، ونلاحظُ من خلالِ سردهَا والتّدليلِ عليهَا أنّها عينُ ما نَعَتَ اللهُ تعالى بهِ نفسهُ في كتابهِ الكريمِ وعلى لسانِ رسولهِ، صلى الله عليه وسلّم، وقد اقتصرنا على هذه السّت دونَ غيرهَا لأنّها محلُّ النّزاعِ مع غيرِ المُسلمينَ وأساسُ الاستدلالِ على الله تعالى، عندَ غالبِ المُسلمينَ، على أنّنا نُثبتُ للهِ تعالى كلَّ ما نعتَ بهِ نفسهُ في كتابهِ أو على لسانِ نبيّه، عليهِ السّلام، وكلُّهُ عندنا مُستلزمٌ للكمالِ من وجوهٍ.

وبعدَ أن بيّنا ذلكَ ثبتَ أنَّ الواجبَ الذي نُريدهُ في مسألتنا هو الله، تباركَ وتعالى، ونعترفُ بتقصيرنا لإخلالنا في بعضِ المباحثِ بالتقصيرِ وعدمِ الإسهابِ، وذلكَ لعدمِ وسع المكانِ لتقريراتٍ أطول فقط. إذن، فالإيمانُ بالله تعالى ضرورة عقليّةٌ مُتحتِّمةٌ على كلِّ عاقلٍ مُنصِفٍ يحترمُ نفسهُ وعقلهُ، وهو مفتاحُ السّعادةِ والرّاحةِ الأبديّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد