يعتبر هذان المصطلحان الفقهيان المتقابلان (دار الإسلام- دار الكفر) جذرًا أساسيًا من جذور التطرف لدى المسلمين، قديمًا وحديثًا؛ فقديمًا اتصلت بهما عقيدة المسلمين في الجهاد، ونظرة المسلمين وتعاملهم مع غير المسلمين سواء في ديار الإسلام أو ما يُعرف بديار الكفر، وحديثًا صارا الأساس الذي يُعادي على أساسه المتطرفون الدولة بمفهومها الحديث، سواء كان سكانها أغلبهم من المسلمين أم من غير المسلمين.

شاع مصطلحا (دار الإسلام/ دار الكفر) منذ اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في العهد الأموي، ولعل الإمام أبا حنيفة كان أول من نحت هذين المصطلحين. ودار الإسلام، كما يراها أغلب فقهاء المسلمين هي التي تجري فيها أحكام الإسلام، بينما دار الكفر ما لا تجري فيها أحكام الإسلام.

ربما كان هذا التقسيم صالحًا في العصور الوسطى، حيث كانت كل أمة في أوقات قوتها تستبيح ما عداها من الأمم، وتنتقصها، وكانت الأقليات في كل بلد تتقبل التمييز ضدهم في المعاملة وتتفهمه، فكان المسيحيون واليهود في ديار الإسلام يتقبلون دفع الجزية، ويتقبلون تمييز ألبستهم عن ألبسة المسلمين، بل ويتقبلون ألا يُسمح لهم بركوب الخيل. كانت المجتمعات طبقية، وكان الدين معيارًا أساسيًا من معايير تحديد الطبقة التي ينتمي لها الإنسان، ويتحدد على أساسها وضعه الاجتماعي. وكانت المجتمعات المهزومة تتقبل أن تُصالح المنتصر على مال. باختصار، كان عصر له ظروفه التي تختلف عن ظروف عصرنا.

ولكن هذا التقسيم تنظير قديم لا يصلح لزماننا؛ ينشأ عنه أن يرى المتطرفون جميع بلدان العالم إلا ما ندر منها بلاد كفر؛ لأنه حتى البلاد التي يكثر بها المسلمون، والمعروفة بالبلاد الإسلامية، لا تُطبِّق أحكام الشريعة بحذافيرها، بل هناك قوانين وضعية يتم تطبيقها على كل أفراد المجتمع، وقد تكون مخالفة في بعض بلدان المسلمين لأحكام الإسلام كليًا، بمعنى أنها تختلف حتى في مسائل الأحوال الشخصية. والمتطرفون لا يميزون بين دول تضع قوانين وضعية تستند في أسسها إلى أحكام الإسلام، ودول لا يضع القانونيون أحكام الدين الإسلامي نُصب أعينهم إطلاقًا أثناء وضع القوانين الوضعية، فكلها بالنسبة لهم ديار كفر، حتى لو سكنها مسلمون!؛ إذ لا تجري فيها أحكام الإسلام على النحو الذي يرغب فيه المتطرفون، والذي ينصب دائمًا على الحدود.

بالتالي يعتبر جمود الفقه الإسلامي، فيما يخص تحديد الديار، سببًا من أسباب التطرف والفتن، وليس فقط الخلاف العقائدي والتمذهب الفقهي، وإصرار فقهائنا على استخدام ذات التصنيف، يجعل منه بذرة تكفير المجتمع الذي تعيش فيه أغلبية مسلمة، كما ينشأ منه التطرف ضد غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية، وما يفعله المتطرفون في مصر ضد الأقباط من أكبر الأمثلة على ذلك، وكذلك ينشأ عنه التطرف ضد غير المسلمين في المجتمعات غير الإسلامية، بإصرار المتطرفين على اعتبار الدولة التي يكون أغلب أهلها من غير المسلمين دارًا للكفر، أو دارًا للحرب، وهو المصطلح المرادف من المنظور التطبيقي.

1-تكفير المجتمع المسلم:

في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين، وبعد سقوط الخلافة العثمانية بسنوات، بدأ ظهور جماعات أُسست على أساس ديني، ولكن بدا بعد ذلك أن الغرض من ورائها تحقيق أهداف سياسية.

كانت أولى تلك الجماعات هي: جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وقد نشأت في نهاية العشرينيات من القرن العشرين على يد الشيخ حسن البنا، وكانت أول أمرها جماعة دينية يمكن أن توصف بالوسطية، فهي لا تعادي المجتمع، ولا تهدف لتغيير قيمه، ولا تهجره أو تتبرأ منه وتُكفِّره، وكانت لها أنشطة اجتماعية لا زالت بقاياها في مدينة الإسماعيلية بمصر إلى يومنا هذا، وكانت تكتفي بممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحسنى، ولكن حدث تحول في أفكار الجماعة بدءًا من أربعينيات القرن الماضي؛ فتطرفت حتى دخلت في صراع مع المجتمع؛ إذ لجأت إلى العنف والاغتيالات السياسية، ثم حدث تطرف مضاد ضدها في نهاية عهد الملك فاروق وطوال عهد عبد الناصر أدى إلى مزيد من العنف من قِبل جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية التي خرجت من رحمها، وقد أدت النكسة إلى سقوط زعامة عبد الناصر في عيون كثير من الشباب، ومن ثم وجدوا العزاء في الانضمام للجماعات الدينية. وقاموا بتكفير الحاكم والمجتمع ككل واعتبروه جاهليًا، ودعوا -كما دعت الخوارج قديمًا- إلى تحكيم شرع الله، ووصل الأمر إلى ذروته باغتيال الرئيس السادات رحمه الله.

وبهذا التغيير والتحول إلى التكفير أصبح توجه الإخوان مشابهًا لتوجه الوهابية، وإعلانًا لتسلف الفكر الإخواني، وإن جاهدوا لإخفاء هذا التوجه وإظهار وسطية زائفة ساهمت الحوادث في السنوات الأخيرة في مصر على إبرازه.

ومن رحم الإخوان وُلدت جماعات التكفير والهجرة، التي كفّرت المجتمع المسلم، وقرروا الهجرة منه، ثم وُلدت القاعدة، ثم ظهر خوارج زماننا المُسمون بأصحاب الدولة الإسلامية (داعش)، التي سعت إلى إعادة الخلافة التي يتحسر البعض عليها، ويشعرون باليُتم منذ فقدوها، وكأنها كانت سبب حضارة المسلمين، رغم أنه منذ زمن عمر بن الخطاب لم تجتمع كلمة جميع المسلمين على خليفة، وكانت الخلافة في كثير من الأزمان منصبًا صوريًا. وما يعنينا أن أصحاب الدولة هؤلاء، ومن يحملون فكرهم، لا يرون ديار إسلام على ظهر الأرض سوى في دولتهم، وحتى الدولة الوهابية المجاورة لهم صاروا يقومون بعمليات إرهابية فيها!، ولكنهم حتى هذه اللحظة لم يضموها إلى ديار الكفر.

2-المتطرفون مع غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية:

في القرن التاسع عشر، تم إسقاط الجزية عن غير المسلمين في بلاد المسلمين، وأصبح المسيحيون يلتحقون بالجيوش كالمسلمين، كما أصبح الحديث عن زي خاص بكل طائفة بالمجتمع من ذكريات الماضي، فلا زي موحد إلا لرجال الدين باختيارهم، ولطلبة المدارس، ولأصحاب بعض الأعمال أثناء أداء عملهم، لكن لا يخفى على أحد أن الاضطهاد لا زال موجودًا في بعض صوره، وهناك مضايقات على المستوى الرسمي من جانب الدول فيما يخص دور العبادة، حيث يصعب على المسيحيين تجديد وبناء الكنائس، وهي مضايقات تستند إلى أحكام فقهية لا أساس لها في القرآن أو السُنة.

والمتطرفون من المسلمين المحدثين –وأغلبهم من السلفية-، علاقاتهم مع أهل الكتاب تقوم في أساسها على فتاوى ابن تيمية، وما نصّ عليه ابن القيّم في أحكام الجزية، وبالنسبة لهم، فإن إسقاط الجزية في حد ذاته لا يُعجبهم، ولا يرونه متفقًا مع ما قرره الفقهاء القدماء، الذين جمدوا عند أحكامهم.

وقد تعددت إضافة إلى ذلك، في العقود الأخيرة، الحوادث الإرهابية وأعمال العنف التي طالت المسيحيين في المجتمعات الإسلامية، حيث يمثلون أقليات.

3-المتطرفون مع غير المسلمين في ديار الكفر:

أما عن الأحوال فيما يُعرف بديار الكفر، فقد أصبحت تلك البلاد المتقدمة التي تقطنها أغلبية غير مسلمة تمثل حلمًا للكثير من المسلمين للهجرة والإقامة فيها، ولكن السلفيين منهم عند انتقالهم للعيش فيها، يهدفون لنشر الإسلام، وهذا جميل، ولكن غير الجميل أنهم لا يتخلّون عن رؤيتهم لها باعتبارها ديار كفر وحرب، ورؤية أهلها باعتبارهم محاربين لمجرد أنهم لا يُطبِّقون أحكام الإسلام، رغم عدم وجود إعاقات من السُلطات للمسلمين عن ممارسة شعائرهم؛ لأنهم يرون أن إقامة الشعائر ليست سبب تمييز الدُور عن بعضها، كونها ليست موجبة لتحقيق المناط.

ومن هنا حدثت الكثير من الحوادث الإرهابية في بلاد الغرب، في العقدين الأخيرين، المنسوب القيام بها إلى مسلمين، استهدفت مدنيين مسالمين، استباح الإرهابيون دماءهم فقط لكونهم غير مسلمين، وإعلانًا لحالة الحرب الداخلية من جهتهم في تلك المجتمعات التي لا تُطبق شرع الله.

والعجيب أن المصطلحين (ديار الإسلام/ ديار الكفر) ليسا مصطلحين قرآنيين ليتمسك بهما المتطرفون هذا التمسك، بل هما مما قرّره فقهاء القرن الثاني الهجري بناء على واقعهم، ولكن واقعنا قد تغير ألف مرة ولا زلنا جامدين. هؤلاء لا ينظرون إلى مقاصد ولا مصالح، بل يهمهم استقرار ما هو مقرر سلفًا.

لكن لا ننكر مع هذا وجود إشارات قرآنية قادت الفقهاء لهذا التقسيم، كما قادتهم لتقرير أن الأحكام قد تختلف باختلاف الديار. يقول الشيخ القرضاوي في حوار شهير له مع د. حامد الأنصاري (1999)، في برنامج «الشريعة والحياة» عن تقسيم الديار، ما نصه: «هذا التقسيم في الحقيقة لم يرد به قرآن وسنة بصراحة، ولكن إشارات في القرآن الكريم، مثلًا: القرآن يقول في القتل الخطأ ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، يعني قد يكون المسلم في مجتمع معاد للمسلمين ومن قوم عدو لنا، هنا لا ندفع له دية القتل الخطأ، لأن الدية ستقوي أعداءنا، إنما يُكفِّر قاتل الخطأ عن كفَّارته بتحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فهذا إشارة من القرآن. وفي نفس الآية ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ﴾ هؤلاء الذي بيننا وبينهم عهد. ونجد في آية أخرى ﴿وَاْلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال:72] أي يهاجروا من دار الكفر والحرب إلى دار الإسلام، وهذا أيضًا إشارة إلى هذا التقسيم»أهـ. وأقول: وهناك أيضًا الكثير من الأحاديث في الصحاح، في كتب البيعة والجهاد وغيرها تشير إلى اختلاف الديار، ولكن المشكلة ليست في التقسيم في حد ذاته، بل فيما يدل عليه، وما رتّب الفقهاء عليه من أحكام.

وهناك مصطلح ثالث اعتبره الفقهاء القدماء في مسألة الديار، وهو (دار العهد)، والمفترض أن يدخل فيها تلك البلاد التي يكون بين المسلمين وأهلها عهدًا، يمتنع على إثره القتال بين الفريقين؛ وعليه فإن كل المعاهدات الدولية الحديثة، ومنها ميثاق الأمم المتحدة الذي وقّع عليه ملوك ورؤساء المسلمين، تُدخِل دول العالم التي لا تعتدي علينا تحت مظلة دار العهد، وتخرجها عن كونها دار كفر، ولكن هذه النصوص لا يلتفت إليها المتطرفون.

وللشيخ محمد أبو زُهرة بحث هام بعنوان «نظرية الحرب في الإسلام»، والذي نشره لأول مرة في المجلة المصرية للقانون الدولي 1958م، وأعاد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية المصرية نشره سنة 2008م. جاء في البحث عن سبب تسمية دار المخالفين (دار حرب) (ص43) «إن التسمية ثابتة في كتب الفقه، لأن الفقهاء يُقسِّمون الديار إلى ثلاثة أقسام: دار إسلام، وهي الدار التي تُطبّق فيها الأحكام الإسلامية، ويكون أكثرها من المسلمين على خلاف في ذلك، والقسم الثاني دار معاهدة، وهي دار غير المسلمين الذين ارتبطوا مع المسلمين بعهد؛ والقسم الثالث دار حرب. وإن هذا التقسيم هو بحكم الواقع، لا بحكم الشرع؛ ذلك أن الإسلام بعد أن ظهر وانتشر وقاتل المؤمنون الأولون من اعتدى عليهم واستخلصوا الشعوب من الملوك الذين أرهقوهم واستبدوا بهم، أخذ الملوك في أقصى الأرض وأدناها يتأهبون للاعتداء على المسلمين… فنزع الملوك جميعًا عن قوس واحدة، وأخذوا يقاتلون المسلمين أينما كانوا، وحيثما ثقفوا، فكان لا بد أن يقاتلهم المسلمون سيرًا على مبدأ القرآن المقرر ‏﴿‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أنَّ اللهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ‏‏﴾‏‏ [البقرة: 194]»أهـ.

كما يذكر وهبة الزحيلي رأيه في أمر تقسيم الفقهاء للدنيا إلى دارين في كتابه «آثار الحرب في الفقه الإسلامي» (ص194: 196) «إذا عرفنا أن هذا التقسيم مبني على أساس الواقع، لا على أساس الشرع، ومن محض صنيع الفقهاء في القرن الثاني الهجري، وأنه من أجل ترتيب بعض الأحكام الشرعية في المعاملات ونحوها، وأن الحرب هي السبب في هذا التقسيم، فيمكننا أن نقول: إن دار الحرب هي مجرد منطقة حرب ومسرح معركة بالنسبة لدار الإسلام التي فرضت عليها الأوضاع في الماضي أن تتكتل، وأن تعتبر البلاد غير الإسلامية في مركز العدو، الذي برهنت الأحداث على نظرته العدائية للمسلمين، فهو تقسيم طاريء بسبب قيام حالة الحرب أو الحرب نفسها، فهو ينتهي بالأسباب التي دعت إليه، والحقيقة أن الدنيا بحسب الأصل هي دار واحدة، كما هو رأي الشافعي. ولهذا قال مع جمهور الفقهاء: إن الحدود تجب على المسلم أينما وقع سببها. أما الحنفية فإنهم اعتبروا الأصل أن الدنيا داران، ولذا لم يوجبوا إقامة الحدود على المسلم في دار الحرب، ورتّبوا على ذلك أحكامًا أخرى.

والخلاصة في رأينا: أن أساس اختلاف الدارين هو انقطاع العصمة. وأما تغاير الدينين –الإسلام وعدمه-، فليس هو مناط الاختلاف، وإنما مناطه الأمن والفزع، كما بيّنه أبو حنيفة. فالدار الأجنبية أو دار الحرب: هي التي لم تكن في حالة سلم مع الدولة الإسلامية، وهذا أمر عارض، يبقى بقيام حالة الحرب وينتهي بانتهائها»أهـ.

وأقول: إن ما ذكره د.الزحيلي عن اعتبار الإمام الشافعي الدنيا دارًا واحدة، نقله عنه الدبوسي، ومذكور ومقرر عند ذكرهم إيجاب الحد على المسلم في أي مكان على ظهر الأرض، ومنقول حتى في كتب الأحناف عند مقارنتهم رأيهم في توقيع الحدود برأي الشافعية، ولكن لا يخلو الأمر من منازع بأن الإمام الشافعي إنما يعني أن الحكم واحد مع اختلاف الدارين، وليس أن الأصل أنها دار واحدة.

ويُصرّ جمهور الفقهاء على تقسيم الديار، وعلى أنه أصل، لكنهم يتنازعون تحديد مناط الاختلاف الذي على أساسه يقوم التقسيم، فهناك نظرة القائلين بالحرب الذين يُصرّون على أن الدين هو مناط الاختلاف، ونظرة القائلين بالسلم الذين يرون الجهاد دفعًا للعدوان، ومناط الاختلاف بين الديار عندهم هو الأمان وليس الدين.

ويُفرِّق الشيخ عبد الوهاب خلّاف في كتابه «السياسة الشرعية» (ص75-76) بين أصحاب النظرتين، فيقول: «وخلاصة الفروق بين الرأيين، أنه على الرأي الأول: الجهاد مشروع على أنه طريق من طرق الدعوة إلى الإسلام، على معنى أن غير المسلمين لا بد أن يدينوا بالإسلام: طوعًا بالحكمة والموعظة الحسنة، أو كرهًا بالغزو والجهاد. وعلى الرأي الثاني: الجهاد مشروع لحماية الدعوة الإسلامية ودفع العدوان على المسلمين، فمن لم يُجِب الدعوة، ولم يقاومها، ولم يبدأ المسلمين باعتداء، لا يحل قتاله، ولا تبديل أمنه خوفًا.

وكذلك على الرأي الأول: لا يكون بين المسلمين وغيرهم أمان إلا بسبب طاريء، من تأمين خاص أو عام، أو موادعة، أو عقد ذمة. وعلى الرأي الثاني: لا يكون بين المسلمين وغيرهم حرب إلا بسبب طاريء من اعتداء، أو مقاومة للدعوة، أو إيذاء الدعاة أو المدعوين.

وعلى الرأي الأول: يتحقق اختلاف الدارين باختلاف الدينين. وعلى الرأي الثاني: إنما يتحقق اختلاف الدارين بانقطاع العصمة. وليس مناط الاختلاف الإسلام وعدمه، وإنما مناطه الأمن والفزع.

والنظر الصحيح يؤيد أنصار السلم، القائلين بأن الإسلام أسّس علاقات المسلمين بغيرهم، على المسالمة والأمان، لا على الحرب والقتال، إلا إذا أُريدوا بسوء، لفتنتهم عن دينهم، أو صدهم عن دعوتهم، فحينئذ يُفرّض عليهم الجهاد؛ دفعًا للشر وحماية للدعوة»أهـ.

أقول: وكما يتغافل المتطرفون عن آراء من لا يعجبهم من الفقهاء المحدثين ممن أعادوا مراجعة الأدلة وأقوال القدماء في المسألة، فهم يتغافلون أيضًا عن أقوال للأئمة القدماء لا تعجبهم فيها، أهمها اشتراطات الإمام أبي حنيفة في اعتبار دار الحرب.

ينقل وهبة الزحيلي عن الإمام أبي حنيفة في “آثار الحرب في الفقه الإسلامي» (ص172) «ويرى أبو حنيفة أن دار الإسلام لا تصير دار حرب إلا بشروط ثلاثة:

أحدها: ظهور أحكام الكفر ونفاذه فيها.

الثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر والحرب.

الثالث: ألّا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنًا بأمان المسلمين الذي كان يتمتع به، أي بالأمان الإسلامي الأول الذي مكّن رعية المسلمين من الإقامة فيها. أي بأمان أقره الشرع بسبب الإسلام للمسلمين، وبسبب عقد الذمة بالنسبة للذميين»أهـ.

وبالمثل ينقل الإمام أبو زهرة في «نظرية الحرب في الإسلام» (ص47) شروط الإمام أبي حنيفة الثلاثة بشكل أكثر تفصيلًا، ويقول: «وقد قرر أبو حنيفة أنه تُعتبر الدار غير إسلامية، إذا تحققت فيها شروط ثلاثة مجتمعة، وإذا تخلف واحد لا تُعد دار حرب». لكنه ينقل الشرط الثالث على النحو التالي: «ألّا يأمن المسلم ولا الذمي فيها بحكم الإسلام، بل يأمن فيها بعهد يعقده»، وهو شرح موضح لعبارات أبي حنيفة.

وبعد أن شرح رأي أبي حنيفة وتعليله، ونقل عن الكاساني، علَّق الإمام أبو زهرة (ص49): «وبهذا يتبين أن رأي أبي حنيفة يقوم على أن دار الحرب تكون متاخمة، لا يأمن فيها المسلم على نفسه، ولا تُطبّق فيها أحكام الإسلام بالبداهة، وأن ذلك هو الراجح في المذهب الحنفي. وإن التعريف لدار الحرب على هذا النحو يؤدي لا محالة إلى أنها الدار التي يُتوقع منها الاعتداء حيث لا يأمن فيها المؤمن على نفسه ولا على ماله، فإذا زال ذلك الاعتبار، وأصبح المؤمن فيها يأمن على نفسه وماله؛ فإنها بلا ريب لا تكون دار حرب. وعلى ذلك، إذا قامت علاقات دولية تؤمن كل إنسان في أي دولة يحل فيها من غير عقد ولا حلف، فإنها على تعريف أبي حنيفة لا تكون دار حرب»أهـ.

أقول: وعليه، فالإمام أبي حنيفة، صاحب التقسيم الثنائي للديار (دار إسلام- دار كفر وحرب)، اشترط شروطًا في الدار ينبغي أن تتحقق لتكون دار حرب، والراجح والثابت من رأي الإمام أبي حنيفة، وكذا رأي صاحبه الإمام محمد بن الحسن الشيباني أن الدار لا تكون دار حرب ما أمن فيها المسلمون. كما يتضح من الشرط الثالث للإمام أن المحاربة إنما تجب على المسلم نحو من لا يأمن معه من إظهار شرائع دينه، وليس على أي كافر بالإسلام، وهو رأي أرشد وأحكم، ويراعي المقاصد، لأن الإسلام إنما يهدف إلى تأمين المسلمين وتمكينهم من إظهار شرائع دينهم، والدعوة إليه، فلِم الإصرار على دعاوى الحرب، وقد تغير الواقع العالمي؟!

وإن كنا قد شكونا الجمود الفقهي لعلمائنا، فللشيخ القرضاوي تصنيف، ذكره في حواره مع د. حامد الأنصاري (1999)، في برنامج «الشريعة والحياة»، يستند على آية ‏﴿‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:107]، وعليها فالعالم كله هو أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمة تنقسم إلى:

· أمة الإجابة: وهم المسلمون الذين أجابوا دعوة النبي محمد.

· أمة الدعوة: وهم غير المسلمين، الذين من واجب المسلمين دعوتهم إلى الإسلام.

يقول القرضاوي ما نصه: «كل بلاد الدنيا للمسلمين بلاد دعوة، والعلماء يُقسِّمون العالم إلى أمة الدعوة وأمة الإجابة، كل العالم يُعتبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ‏﴿‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ‏‏﴾‏‏، فهو جاء يخاطب العالمين جميعًا، فبعضهم استجاب له، وهذه أمة الإجابة، وبعضهم لا زال في مرحلة الدعوة، وهذه أمة الدعوة، ودار هذه البلاد هي دار دعوة من غير كلام»أهـ.

وأقول: هذا تصنيف يأخذ في اعتباره متغيرات العصر، والحفاظ على السلم العالمي والمعاهدات الدولية التي وقّع عليها المسلمون، ولا يتناسى أن الإسلام هو دعوة عالمية، ولا يغفل دور المسلمين في نشر الإسلام السمح البعيد عن التشنج، الذي هو رحمة للعالمين، والمفترض أن هذا هو الهدف وليس السيطرة على العالم. ومع ذلك فالقرضاوي قد قرر أنه إن أخذنا بالتصنيف الثلاثي (دار إسلام، دار حرب، دار عهد)، فإن دول الغرب التي ليس بيننا وبينها حروب هي دار عهد، يترتب فيها على المسلم أن يحترم العهد الذي بينهم وبين المسلمين.

ولا أريد أن أكثر في سرد ما يحتجّ ويرد به المُصرُّون على صحة التقسيم القديم، ودلالته بأن كل بلد لا تُقام فيه أحكام الإسلام هو بلد كفر وحرب، حتى لو سُمِح فيه للمسلمين بأداء شعائرهم آمنين مطمئنين، بل ودون حاجة إلى عهد، فكل ما يحتجّون به ينبع من منظورهم للإسلام بأنه يهدف إلى السيطرة والهيمنة على العالم، كما لو كان محمد قد بُعِث ملِكًا وليس نبيًا. وطالما يرون هذا هو الهدف، فوسيلتهم إليه هو الجهاد، حتى لو لم يُعتد عليهم، والتقسيم الثنائي للدور (دار إسلام- دار كفر وحرب) يتماشى تمامًا مع منظورهم؛ رغم أن هذا التقسيم، الذي يُصر أصحابه على أن إقامة أحكام الإسلام على كافة أهل الأرض، هو أسمى أهداف المسلمين، يُعارض نصوصًا قرآنية واضحة، في سورة المائدة، أثبتت لليهود الحق في التحاكم إلى التوراة، ودعت المسيحيين للتحاكم إلى الإنجيل، والمسلمين للتحاكم إلى ما أنزل الله في القرآن؛ لكون تقسيمنا إلى أمم وتعدد الشرائع من مراده تعالى.

إن هدفي من بحث تلك النقطة ليس استيفائها كما يكون في المباحث الفقهية، وإنما أتيت عليها لأظهر ما يترتب على كلا المنظورين، حيث إن الإصرار على هذا التقسيم، ورفض أي محاولة كمحاولات أبي زهرة والزحيلي وخلّاف لتصحيح دلالته، وكذا رفض أي تصنيف آخر ذو تأصيل فقهي يُقدَّم لاستبداله، يعتبر جذرًا أساسيًا لتطرف طائفة كبيرة من المسلمين، وسببًا رئيسيًا للإرهاب، ولا يسلم من عواقب هذا التقسيم بلاد الدنيا كلها؛ فحتى المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة يتم تكفيرها، كونها لا تحكم بشرع الله، وهي دعوى خوارج، كفانا الله شرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد