نظم الإسلام العلاقة بين البشر ليضمن استقامة الفرد وصلاح المجتمعات على أسس ربانية سليمة. فنظم العلاقة بين المسلم وغير المسلم، وكذا بين المسلمين بعضهم بعضًا. إذ علمنا حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

كما علمنا أن المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وغير ذلك الكثيرمن الأحاديث والآيات القرآنية التى تؤكد على وحدة مصير المسلمين وشكل وكيفية العلاقة بينهم. فكيف إذا يكون تعاضد المسلمين وأخوتهم وتشاركهم حتى يكونوا كالجسد الواحد؟ وهل يكون ذلك بإظهار المودة والتعاطف وبذل بعض المال فقط أم يكون نصرة بالمال والنفس وحماية العرض باعتبار أن نصرة المستضعفين من المسلمين هي نصرة للدين؟

إن مساندة المسلمين بالمال وإظهار التعاطف معهم وإكرام بعضهم ليس بكاف لتجسيد معنى الأخوة في الإسلام. فإظهار المودة والإكرام دون النصرة لحماية الدين والعرض يكون نوعًا من النفاق ومحاولة لحفظ ماء الوجه، أو الشعور بالرضا بعد إقناع النفس بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان. يقول صلى الله عليه وسلم لتوضيح مقتضيات الأخوة الإيمانية: ما من امرئ يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته.

إن خذلان المسلمين جرم كبير، ويكون هذا الجرم أكبر كلما كبرت مهام ومركز ومسئوليات المسلم تجاه إخوته المسلمين. فما فائدة أن يقوم حاكم بتمويل القوافل الإغاثية أو إيواء اللاجئين، بينما يتفرج على المنكوبين وهم يبادون، بل ويضع يده في يد قاتليهم باعتبارهم حلفاء أو شركاء اقتصاديين؟! فإذا استطاع البعض أن يجد من الحجج ما يكفي لتبرير الصمت وعدم النصرة العسكرية لأسباب سياسية وظروف دولية، فكيف يبرر لمن يضع يده في يد الجزارين الذين يقتلون إخوتنا بالمئات بدم بارد؟! لا يوجد أي تبرير مقبول، خاصة أن الأوضاع في المناطق المشتعلة تسير من سيئ إلى أسوأ، على الرغم من التفاهمات والمؤتمرات والتحالفات المرحلية التي سوف تنهار في أقرب وقت يشعر فيه الخصم بالتهديد.

إن ما تفعله بعض الأنظمة العربية والإسلامية التي يحيطها البعض بهالة من القدسية وكأنها تختلف عن غيرها من الأنظمة لمجرد أنها تأوي جماعة من المسلمين أو ترتبط مصلحيًا بالبعض الآخر، ليس كافيا أبدًا لتجسيد أخوة الإسلام، بل إن ما يفعلونه في الواقع لا يزيد كثيرًا عما تفعله أو تقدمه بعض الدول الأوروبية تجاه المكروبين من المسلمين بدافع إنساني. فعندما يقوم الرئيس التركي بعملية عسكرية في عفرين، بينما يباد المئات في الغوطة، ولا يتدخل، أو ينشغل، إلا بشبح الأكراد الذي تضخمه له أمريكا، فذلك أمر مستهجن. وعندما تسحب أمريكا ودول أوروبية دبلوماسييها من الأراضي الروسية بسبب تسميم الجاسوس سكريبال فتبدو روسيا معزولة دوليًا، ثم يقوم أمير قطر بزيارة روسيا لبحث ملفات المنطقة وتعزيز التعاون في المجال الاقتصادي والتجاري ضاربًا عرض الحائط بكل ما تفعله روسيا من جرائم يندى لها جبين الإنسانية لهو أمر أيضًا منفر ويبعث على الاشمئزاز.

يقول الدكتور محمد سعيد القحطانى فى كتابه الولاء والبراء في الإسلام: لقد كان التحام المسلمين ونصرة كل منهم لأخيه مثالًا فريدًا في تاريخ التلاحم والتواصل والتناصر، سواء على مستوى الأمة أم الأفراد. حيث حققوا الموالاة والمعاداة على أوضح صورهما. ولن ينتصر المسلمون إلا إذا تحقق فيهم – بعد صفاء العقيدة ووضوحها – حب المسلم لأخيه كحبه لنفسه، وشعوره بآلام أخيه كشعوره بما يصيبه هو، وحب نصرته كما يحب أن ينصره هو، والله ينصر من ينصره إن الله لقوي عزيز. وتتحقق النصرة بعدة أمور منها: الدفاع بالنفس عن الأخ المسلم وكسر شوكة الظالمين وبذل المال له لإعزازه وتقوية جانبه، والذب عن عرضه وسمعته والرد على أهل الباطل الذين يريدون خدش كرامة المسلمين. والدعاء للمسلم بظاهر الغيب بالنصر والتوثيق وتسديد الخطى وتتبع أخبار المسلمين في أنحاء المعمورة والوقوف على أحوالهم ودعمهم بقدر الاستطاعة. وكل هذه الأمور تحقق للإنسان ولاءه لإخوانه المسلمين وتجعله عضوًا عاملًا صالحًا في جسم الكيان الإسلامي.

إن ما يحدث اليوم في محيطنا العربى والإسلامى وتقسيم المنطقة إلى حلفين أحدهما تقوده روسيا وإيران والآخر تقوده أمريكا وإسرائيل ليدل على مدى الهوان والخزي الذي وصلت إليه الأنظمة العربية جميعها. فهذه اللوبيات لن تخدم بالقطع مصالح الإسلام والمسلمين، وإنما تخدم فقط مصالح العالقين فيها المنكفئين على أنفسهم أو في أفضل الأحوال على مصالح دولهم القُطرية. وكل هذه المآسي إنما هي نتيجة نجاح مخطط التفتيت والتفكيك لأمتنا، ولن يحل هذا المشكل إلا بالقضاء على التجزئة ومن يرعاها، وكل من يروج لسياسة فرق تسد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد