الإنسان كائن اجتماعي، تتولد لديه الحاجة للانتماء لمجموعة اجتماعية يشعر فيها بالمسؤولية، وبقيمته الوجودية، وتكون له تلك المجموعة مصدرًا لسد الاحتياجات النفسية الداخلية والخارجية. مصدرًا للإحساس بمذاق شعور الأمان والقيمة والعزة والتضحية… إلخ. وهنا يمكن أن نؤصل لسنة ثابتة، وهي «الإنسان كائن منتمٍ». كل إنسان لابد أن له مجموعته الاجتماعية التي ينتمي لها.

وتتعدد الانتماءات في كل مستوى من مستويات دائرة الانتماء: فأنت تنتمي لعائلة، ثم تنتمي لوطن، ثم تنتمي لدين، ثم تنتمي لنظام سياسي فكري أو تنظيمي ومؤسسي. قد يغير الإنسان من انتماءاته على حسب ما يقتضيه الواقع الخارجي واحتياجه الداخلي، لكنه في النهاية لابد أن يعيش في ظل مجموعة اجتماعية.

غريزة الانتماء تضعك في تحد قوي، قل أن تنتصر فيه؛ فالانتماء لا إراديا يدفعك للتحيز، ويسلبك الحيادية، ويجردك من الموضوعية، ويجعلك عبدًا لهواك. تكون قادرًا على إقناع غيرك بما تحمله من باطل على أنه حق. لديك قدرة فائقة على تبرير ما تقوم به مجموعتك الانتمائية من أخطاء. الانتماء دائمًا يجعل من الحقيقة والحق شمسًا في لحظة خسوف جزئي، وفي بعض الأحيان خسوف كلي يجعل المنتمي في حالة من التغيب عن قوانين ونواميس الحياة.

لا شك أن درجة الانتماء تتناسب طرديًا مع درجة العمق في قوة المحاجة، والقدرة على العثور على إبرة في كومة قش تدعم موقفك، وتثقب بها بالونة مخالفك، إلا أنه يعمي البصيرة عن إدراك الخلل، وإن كان واضحًا وضوح شروق الشمس من المغرب.

فالانتماء الوطني يجعل من الوطن إلهًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الوطن محق حين يقتل أبناءه المختلفين معه في الرأي، الوطن محق حين يشارك الغرب في احتلال الأوطان الأخرى، الوطن محق حين يدعم الأنظمة المستبدة ويمولها ويدافع عنها. الوطن لا أحد ينتقده ولا يعارضه.

الانتماء لنظام سياسي حاكم يجعل من النظام إلهًا متحكمًا في رقاب العباد وجنبات البلاد؛ فالنظام له دوافعه ومبرراته دائمًا؛ لما يفعل ويرتكب من حماقات. تصبح المخيلة قادرة على نسج الخيالات المنعزلة عن المنطق والحقيقة لتأييد النظام في سحق معارضيه، حتى غالبية الشعب تبحث عن أي وميض نور رأته في عهد النظام تجعله ثمنًا لمعاناتها في ظل النظام، فالأمن والاستقرار ثمنه الفقر والجوع والمرض والجهل، حتى النخبة تجعل من أخطاء المعارضين للنظام ثمنًا لسحقهم، على الرغم من علمهم أن سحق المعارضين ليس لخدمة الدين والوطن، بل لخدمة مصالح النظام وأعداء الدين والوطن.

الانتماء لمؤسسة كالمؤسسة العسكرية أو الانتماء لتنظيم، كالإخوان أو الدعوة السلفية «حزب النور» يجعل منهما معقد الولاء والبراء. فهذا يرى أن المؤسسة العسكرية لا تخطئ. الجيش هو الوطن. الجيش دائمًا له مبرراته لفعل أي شيء في أي وقت، أنفاس الجندي انتصارات وانجازات المعارضين سقطات. الجيش خط أحمر، لا يمكن مخالفته أو معارضته أو نقده، أنت تعترض على الجيش أو تخالفه أو تنتقده، إذن أنت غير وطني، وغير مخلص، ومعدوم الانتماء، ومشترك في خطة لهدم أقوى جيش في المنطقة.

وذاك يجعل من التنظيم رمز الدين في عصر الكفر، ورمز العلم والفهم في زمن الجهل. التنظيم يحكم، إذن الدين سينتصر، والوطن سيرتقي. انتقادك للتنظيم وما يحمله من أفكار وتحركات يعني جهلك وتطاولك على الإسلام ومبادئه، وطعنك في هوية الأمة وانتمائك للعلمانية المتحررة، حماقات التنظيم وسذاجته، إن أعطاك فرصة لتثبتها بالحجة والمنطق، سيتم ردها لأعلام العلم والفهم في التنظيم فهم يرون ما لا نرى.

الانتماء لدين من الأديان يشعل نار التعصب الطائفي، فالرحمة والحب والتسامح وحسن المعاملة حكر على أتباع دينه، أما غيرهم فاضطروهم الى أضيق الطرق، ولا تبدؤوهم بالسلام. السيف مفتاح الجنة، ودماء من هم على غير دينه سقاء أشجار الجنة، واستحلال نسائهم مهر الحور العين، وإشاعة الذعر في قلوبهم ثمن العيش في سلام وأمان.

الانتماء للتيار العلمي المتدين يجعل من العلماء أولياء الله في الأرض وأوصياء على خلقه، ويجعل من التراث حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. مخالفتك للعلماء وانتقادك لهم، هو باب يفتح عليك تهم التكفير والتذندق والتطاول على الله ورسوله.

لذلك يمكننا القول بأن الانتماء والحيادية لا يجتمعان، ويجب أن تتعامل مع المنتمي لوطن أو مؤسسة أو تنظيم أو دين على أنه يتحيز أكثر مما يتواضع، ويتبع هواه أكثر مما يتجرد، وعلى قدر محاولته اتباع طريق التجرد والموضوعية في قرائن أحواله يمكن تقبل أقواله وتحركاته، فكل منتم، أطروحاته وتخيلاته وآراؤه وتبريراته فيها محل كبير للنظر، والأخذ والرد، وليست قولًا واحدًا.

الانتماء واجب وحاجة نفسية غريزية، أنتم لوطنك أو مؤسستك أو تنظيمك أو دينك، ضح من أجله ودافع عنه وأحبه لدرجة العشق، ولكن هل ستمتلك من الحيادية والموضوعية ما يجعلك تقر بالحق، وتعترف بمجانبة الصواب حين يتخلف وطنك أو تبطش مؤسستك أو ينحرف تنظيمك أو يتضح لك أن ما كنت تعتقده ليس بدين الله الحق!

إن الانتماء كما الوظيفة الحكومية يحد من قدرة الشخص على التوسع والإبداع والابتكار والانفتاح والانطلاق نحو فضاء التحرر من كل قيود الانتماء. دائرة الانتماء دائمًا ما تحد من القدرات أو على الأقل توجيهها في خدمتها. إنها لا تستخدم قدراتك العقلية والنفسية والأسلوبية في خدمة العام الإنساني، وإنما في خدمة أغراضها. دائرة الانتماء ما هي إلا كائن يقتات على قدرات منتميه. القدرات العقلية التي نراها في كثير من المجموعات الانتمائية، لو كانت تتمتع بالتحرر من تلك القيود الانتمائية التعصبية لانتقلت الإنسانية إلى نقلة نوعية أخرى.

المفكر الحق هو الذي يتعالى ويتحرر من كل هذه الانتماءات الجزئية التعصبية. العقلية المفكرة لا تتعصب لوطن ولا لدين ولا لمؤسسة ولا لتنظيم، إنه ينتمي للإنسان ولا يتعصب إلا للإنسانية. إنه يحب وطنه وجيشه ودينه، وعلى استعداد للتضحية من أجلهم، ولكنه لا يتردد في أن يقر بخطأ الوطن والجيش، وما كان يعتقد أنه دين.

ليس هناك مؤسسة أو تنظيم يمكن أن يحتوي عقل مفكر، فعقل المفكر أوسع بكثير من أن تحده مؤسسة أو يتحكم في قدراته تنظيم.

يجب أن يتمتع الإنسان بقدر كبير من الوعي والعلم والمعرفة لينعتق من براثن الانتماء المفضية للتعصب والتحيز الوطني أو الطائفي أو المؤسسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الانتماء
عرض التعليقات
تحميل المزيد