هل كل من ظهرت عليه علامات التدين يصير متدينًا؟

وهل كل من مات ميتة سيئة تكون علامة على سوء خاتمته؟

هل من الإيمان أن ننبئ العصاة بالنار في الآخرة ونفضحهم في الدنيا بعد أن سترهم الله فيها؟

للإجابة على هذه الأسئلة إليك أيها القارئ العزيز هذه القصة الحقيقية والتي تعبر بصدق عن أشخاص وضعتهم أقدارهم مواضع التدين والخيانة والتوبة والندم ومعاناة أمراض النفس من اكتئاب وقلق.

ولأن النفس البشرية تحب القصص وتتأثر بها فقد قررت قولبة الأحداث إلى قصة لتكون أكثر فائدة وأكبر تأثيرًا.

* مكالمة هاتفية

قبل الفجر صاح هاتفي وبنصف عين استطلعتُ المتصل، لم يظهر الاسم. فتعمدتُ ألا أرد، فلابد أنه متصل بالخطأ.

لكنه عاود الاتصال. فوجئتُ بصوت نسائي يعتصر بكاءً مرًا فرحل من عيني النوم استفسرتُ من أنتِ وماذا تريدين؟

أجابت أنها تقصدني وذكرت كنيتي المشهور بها أكثر من اسمي ثم استرسلت في حديث عجيب يشيب له الولدان وتقشعر منه الأبدان قالت:

* بداية هادئة

«أنا يا شيخ (فلانة) زوجة (فلان). جئتُ معكم لأداء العمرة لعل الله يقبل توبتي ويغفر خطيئتي. استمعتُ لكلامك وأعجبتني طريقة شرحك لفقه العمرة. وأعجبني أكثر كلامك عن الاستعداد بالتوبة قبل الطواف وخاصة عندما ذكرتَ لنا طرق التغلب على ضعف النفس واستسلامها للخطأ والتمادي فيه. فأردتُ أن تجد حلًا لمشكلتي…

* هل الكعبة تطرد العصاة؟

عندما حاولتُ الطواف حول الكعبة شعرتُ أنها تطردني وكلما اقتربتُ منها دُفعتُ عنها بعيدًا.

فهل هذا دليل أني مطرودة من رحمة الله؟

حاولتُ البكاء وأنا أطوف فلم أجد في عيني ماء بل وجدتهما صخرتين قاسيتين.

* بداية الحكاية

أنا يا شيخ متزوجة من رجل خليجي يكبرني بثلاث وأربعين سنة وهو ينازع الحياة تارة وينازع الموت تارات.

أنا الزوجة الرابعة لكنه يفضلني على سائر نسائه فأنا أصغرهن وأجملهن كما أنه يعشق لهجتي لأني لست خليجية مثله.

هو يلبي كل طلباتي من الملابس والمجوهرات والسفريات وغيرها ويغدق على أهلي ويخصص لي من الخدم من ينتظر إشاراتي فأعيش بين قصوره وأمواله كالملكة المتوجة.

بدأتُ حياتي بالأمل والسعادة، ولما خطبني زوجي خشيتُ المستقبل لكني أقنعت نفسي أن الإنسان يستطيع صنع سعادته بنفسه، فوافقت وقبلت التحدي رغم تحذير العقلاء من أسرتي.

تزوجتُ وبدأت غربتي مع زوجي فعانيت من الاكتئاب والقلق وحاولت أن أعوض حياتي في أولادي.

عندي من الأولاد ثلاثة كأنهم الأقمار أو كالشموس جمالًا ونورًا وبهاء وضياء.

* أسباب ونتائج المصيبة

لكنهم كلهم ليسوا أبناء زوجي، كلهم أبناء زنا.

في يوم قبل عشر سنين جاءني ألم في ضرسي. فذهب بي زوجي إلى أقرب مشفى، ودخل معي غرفة طبيب الأسنان. وكان الطبيب خلوقًا جدًا شديد الحياء يغض بصره. وبالغ في احترام زوجي جدًا وذكر حديث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا).

لكن يبدو أني كنتُ في غرفة الشيطان نفسه. لم يكن أبدًا طبيبًا للأسنان بل كان للفتنة والغواية عنوانًا.

* فتنة التدين

ولأن الشيطان يجيد صنع الفتنة ويخطط لها على أعلى مستوى من الإتقان ويختار لها أفضل الأوقات، فنادى المنادي لصلاة المغرب، فاعتذر الشيطان – عفوًا – الطبيب عن فحص ضرسي. وبرر اعتذاره أنه لم يبدأ في علاجي ويمكن أن يتأخر الفحص عشر دقائق أخرى مقدار وقت الصلاة.

لحظتها قهقه الشيطان لكن لم يسمعه أحد.

وقف الطبيب الشيطان إمامًا للصلاة، فهو في العادة الإمام الراتب لذلك المشفى أثناء وقت الدوام الرسمي.

انبهر زوجي بجمال وعذوبة صوته في قراءة القرآن وأثنى كثيرًا على سلامة مخارج حروفه ومتانة تلاوته، فحمدنا الله جميعًا أن وفقنا لطبيب صالح.

* الخطأ الرهيب

جاءت الممرضة لتأذن لي بالعودة لدخول العيادة مرة أخرى وأثناء مجيئها جاء أحد أبناء زوجي وهمس إليه بكلمات فأخبرني أنه يجب عليه أن يذهب للمنزل فورًا حينئذ وسيترك ابنه معي.

بالفعل دخلتُ مع ابن زوجي العيادة ومرت دقائق ودخل الطبيب وأحسن وبالغ بالترحيب بابن زوجي كثيرًا كما فعل مع أبيه من قبل.

بعد الفحص تبين أن ضرسي يحتاج علاجًا وحشوًا للعصب فاستسلمتُ. ولم أشعر بوخز إبرته في اللثة فقد كان ماهرًا لدرجة لا تصدق.

استأذن مني ابن زوجي لإجراء مكالمة هامة وقبل أن أقول له رأيي خرج من العيادة.

رأيتُ ابتسامة الطبيب لونها تغير وعيونه اتسعت وتناسى أنه منذ لحظات كان يغض بصره. لاحظتُ كل ما سبق لكني رفضتُه ولم أصدقه.

* الطبيب الشيطان

رأيتُ الممرضة تجهز الأدوات، ورأيتُه يدس في يدها شيئًا. نعم رأيتُه واضحًا. كان ورقة مالية كبيرة، لكني لم أعبأ. فذاك شيء لا يخصني – هكذا حسبتُ -.

لاحظتُ أن برأسي ثقلًا ودوارًا خفيفًا فعللته أنه من تأثير المخدر، وألقيتُ على نفسي اللوم عندما أخبرتُه أنني لا أتحمل ألم حفر الأسنان ورجوتُه أن يضاعف جرعة المخدر.

بعد إحساسي بالدوار أحسستُ بالعار يقترب مني فالشيطان خلع رداءه الأبيض وكشف عن صدره وبدأ يعبث بوجهي وصدري.

الجميل وقتها والمحزن الآن أنني لم أقاومه البتة بل رحبتُ بأفعاله وكأني على موعد مع شيءٍ افتقدته منذ زواجي.

شاب وسيم جدًا رقيق الصوت جميل الابتسامة قوامه رياضي ووجه سينمائي ويعرف كيف يعامل المرأة ويحببها إليه.

فطن بذكاء لنقطة ضعفي فعرف كيف يستغلها. لكنه حرص في ذلك اللقاء على ألا أخلع عباءتي بل رفض أن يلمس ولو بإصبعه أي موضع في نصفي الأسفل.

* تراكم المصائب

يا شيخ، كانت هذه البداية فقط وللآن لم تظهر النهاية. وبين تلك البداية الفاجرة والنهاية غير الظاهرة انجرفتُ للهاوية مئات المرات وأصبح اللقاء بيننا إدمانًا أكرهه ولا أستطيع مفارقته. أصبحتُ أنا التي تطارده وتطالبه.

ولدرجة أنه صار يحمل مفتاحًا للباب الخلفي لمنزلي ويوم لا يكون زوجي في المنزل يكون هو زوجي.

الأولاد الثلاثة هم أولاد ذلك الشيطان وهم يشبهونه بشكل ملفت للنظر ولولا أني مشهورة عند زوجي وبين أهلي بالتقوى وحسن الخلق لتساءلوا عن أولادي لمَ لا يشبهون أباهم.

يا شيخ، والله أنني لا أنام إلا باكية ونقص وزني وشحب لوني وزوجي يطلب لي العلاج تارة عند الأطباء وتارة أخرى عند الرقاة.

يا شيخ، هذا المجرم يعلم الآن أني لا أطيقه وكرهت الحرام معه الذي كان يستهويني من قبل، لكنه يهددني ليستمر في التمتع بجسدي.

* حلول متعددة

الغريب أني كتبتُ له شيكًا بما يعادل عشرة كيلوجرامات من الذهب – وهو كل ما أملكه – مقابل إنهاء علاقته معي لكنه رفض زاعمًا أن ليلة معي تساوي مليارات العالم بأسره.

أن يعرف زوجي فسأكون جمعت بين كبيرتين. الزنا والقتل المتعمد فزوجي المريض بعشرات الأمراض لن يتحمل الخبر.

أعرف أن عقوبتي الرجم داخل حفرة حتى الموت وأظنها عقوبة مثالية لأمثالي وأتمناها عدة حفر لا حفرة واحدة لعدة عقوبات لا عقوبة واحدة.

أعرف أن الشرع جعل أولادي ينسبون لزوجي وليس لي إلا الحجارة حتى القتل.

الطبيب مجرم فعلًا لكني أكثر إجرامًا منه. خدعتُ زوجي الطيب الكريم المتدين المريض.

* ما الحل يا شيخ؟

أريد أن أطوف حول الكعبة وألمس جدرانها. أريد أن أقبل الحجر الأسود بدلًا من أن يصفعني. أريد أن أتوب لكن يبدو أني محجوبة عن التوبة».

سكوت عن الكلام. نحيب شديد.

سقط المحمول من يدي عدة مرات، خرس لساني، شُل عقلي، تجمدت أطرافي.

ماذا أقول لهذه المرأة الفاجرة التائبة؟

هل أُخبر زوجها فيموت؟ أم أُخبر السلطات فيعاقبوا الطبيب؟ أم أفوز بأجر الستر عليها خاصة وأن الله سترها أكثر من عشر سنين؟ هل أهتك ستر الله عليها؟

قلتُ لها: (لا تذهبي للحرم وامكثي في الفندق حتى أكلمك).

* كرامة للشيخ أم توبة مقبولة؟

أغلقتُ هاتفي وقمتُ أجري حتى دخلتُ الحرم وتوضأتُ بماء زمزم وصففتُ قدميّ مقابل الحجر الأسود وقرأتُ ما تيسر من سورة البقرة ثم ركعتُ ثم سجدتُ فانفجرتُ عيوني فأنا أضعف وأقل وأهون من أن أتحمل مجرد الكلام في تلك المصيبة  فما بال حلها؟

أذن الفجر وعرفتُ أنني سجدتُ سجدة واحدة لا غير. فأسرعتُ أستكمل الركعتين.

وضع جاري الباكستاني يده على كتفي وحركها قليلًا قائلًا: (ماذا فعلتَ يا أخي لتبكي هكذا؟ لك أكثر من نصف ساعة وأنت ساجد تبكي).

* نهاية ربانية

انتهى الشيخ ماهر المعيقلي من صلاة الفجر. وبعدها صلينا صلاة الجنازة ثم عزمتُ على المكوث في الحرم حتى طلوع الشمس. ثم صليتُ ركعتي الضحى.

حول الفندق زحام. سيارات متنوعة سيارة شرطة بجوار سيارة إسعاف وبجوارهما سيارة دفاع مدني.

خطواتي تتسارع، أنفاسي تتشاجر، دقات قلبي تتصارع.

الشرطة تلقي القبض على بعض موظفي وعمال الفندق.

الدفاع المدني ينتشل امرأة سقطت من الطابق الحادي عشر في حفرة مصعد مرفوع من الخدمة للصيانة.

الإسعاف تؤكد وفاة السيدة وتهشم رأسها وجسدها بشكل رهيب وكأنها ضُربت بآلاف الحجارة والصخور.

بعد لحظات  قليلة عرفتُ الحقيقة. إنها هي الفاجرة التائبة أرادت الصلاة في الحرم فدخلت المصعد ولم تقرأ لوحة مكتوبة بخط اليد (المصعد لا يعمل تحت الصيانة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد