الدكتور «محمد البلتاجي» والشيخ «حازم صلاح أبو إسماعيل» من المعتقلين السياسيين الذين يتعرضون لحملات متعمدة وممنهجة من التنكيل والتعنت؛ فالشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل هذا الوجه الباسم – تختلف أو تتفق مع آرائه – يظهر في المحكمة أكثر من مرة بملابس رثة بالية، وحذاء قديم ممزق، وشكواه الدائمة من منع الأدوية الضرورية عنه، وسحب الأوراق والأقلام منه، وفوق كل ذلك من الحبس الانفرادي، والاستفزازات اليومية التي تحدث من الضباط، وتحت بصر ورعاية مأمور السجن، ومدير المباحث بسجن ملحق مزرعة طرة.

الدكتور البلتاجي لا يتعرض للتنكيل بمفرده، بل طال عائلته الكثير، فـ«أسماء» شهيدة، و«أنس» معتقل و«خالد» محكوم عليه ومطارد، و«حسام» الصغير مطارد، والدكتورة «سناء» زوجته حُكم عليها سابقًا بالسجن ستة أشهر، فاضطرت لأن تأخذ ما تبقى لها من العائلة – خالد وحسام – وترحل تاركة زوجها وولدها معتقلين مضطهدين، التنكيل بالدكتور البلتاجي، وتعمد إهانته، وإيذائه بشتى الطرق، وفي آخر ظهور للدكتور البلتاجي في قضية رابعة، تكلم عن تعذيبه، وسبه، وتصويره عاريًا، وهو مقيد، ويجلس القرفصاء، كالأسرى، وهذا يتم تحت سمع وبصر مساعد وزير الداخلية لمصلحة السجون اللواء «حسن السوهاجي» وبإشراف اللواء «محمد علي» مدير مباحث سجن العقرب.

السادات أزهريًا ثوريًا

تاريخ مصر مع القيادات الشريفة عندما تُجهض ثورتها أو تُهزم فكرتها مليء بهذه المشاهد التي حدثت مع الدكتور البلتاجي والشيخ حازم أبو إسماعيل، ومن أوضح هذه الأمثلة ما حدث مع الشيخ «السادات»، وهو من كبار شيوخ الأزهر – كان يعد الرجل الثاني، بعد شيخ الأزهر وقتها الشيخ «الشرقاوي» – أثناء الاحتلال الفرنسي، والمُسمى زورًا بالحملة الفرنسية.

فالشيخ السادات عندما عرض عليه نابليون أن يكون عضوًا بالديوان رفض الشيخ المشاركة فيه، وابتعد عن الفرنسيين والتقرب منهم، وكان من قيادات ثورة القاهرة الأولى أكتوبر (تشرين الأول) 1798م، كان له دور بارز في إشعالها وإدارتها، وأراد نابليون إعدامه، ولكن تراجع خوفًا من ثورة جماهير الشعب المصري عليه؛ لأنه كان شيخًا أزهريًا له مكانته عند الناس، وعندما أجهضت ثورة القاهرة الثانية على يد «كليبر» أبريل (نيسان) 1800م، واتهم الشيخ السادات بقيادتها، وبدأت حملة تنكيل شديدة بالشيخ السادات، طلبوا منه غرامة مالية كبيرة، وذهبوا لبيته، وأخذوا كل ما فيها من أموال وملابس وفضة وذهب، وكان مبلغًا زهيدًا لا يساوي المطلوب، وحبسوه في القلعة؛ فكان ينام على التراب، ويتوسد الحجارة، وكان العسكر يضربونه بالليل والنهار؛ ليتأكدوا أنه لا يخفي أموالًا أخرى في بيته.

وتصل الوقاحة بثوار «الباستيل» أن يبحثوا عن زوجته وولده، وكان أخفاهما عن العيون؛ خشية تعرضهما للإيذاء، فيعذبون تابعه «محمد السندوبي»؛ حتى يدل علي مكان ابن الشيخ وزوجته، فيقبضون على الابن ويحبسونه عند «آغات الإنكشارية»، ويحبسون زوجته معه، فكانوا يضربونه بحضرتها، وهي تصرخ وتبكي نكاية في الشيخ الأزهري الجليل، تاريخ يتكرر أحيانًا بحذافيره كما هو، ولقد سبق ثوار الباستيل نظام السيسي في التنكيل بالرجال أمام زوجاتهم؛ لكسرهم نفسيًا، ولإذلالهم روحيًا.

البلتاجي واللواء عبد الفتاح

التنكيل بالدكتور البلتاجي؛ لأن له ثأر قديم مع العسكر، ويبدو أنهم من الذين لا ينسون ثأرهم؛ فالدكتور البلتاجي من قيادات «ثورة يناير»، وكان مقيمًا بالميدان، ودوره في موقعة الجمل لا ينكره أحد، وهناك جدل حول اللواء الذي طلب من البلتاجي إخلاء «ميدان التحرير» يوم موقعة الجمل، ورفض الدكتور البلتاجي ومن كان معه من القوى السياسية والثورية هذا المطلب، فهل كان هذا اللواء هو «عبد الفتاح السيسي» مدير المخابرات الحربية وقتها، أم عبد الفتاح آخر?

والدكتور البلتاجي من القيادات الإخوانية النادرة التي كانت مقبولة من القوى السياسية، وخصوصًا من القوى التي كانت تسمي بالقوى الثورية الشبابية، وكان يلعب دورًا هامًا في محاولات التقارب ورأب الصد، وأعتقد أن العسكر لا ينسون له أن في لجنة وضع الدستور حاول الدكتور البلتاجي تعديل المادة 197 الخاصة بتشكيل «مجلس الدفاع الوطني»؛ ليصبح عدد المدنيين بها أكثر من العسكريين، مما دعا اللواء «ممدوح شاهين» ليواجه الدكتور البلتاجي بكلماته الشهيرة «هتضيف لي واحد هضيف لك واحد»، وطبعًا موقفه في رابعة وصموده بها، وهذا ما عهدناه عليه، فك الله أسره.

أبو إسماعيل والممثل العاطفي

والشيخ «حازم صلاح أبو إسماعيل» له باع طويل معهم، فهم من منعوه من الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية عندما كان المشير طنطاوي رئيسًا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكان يدير المرحلة الانتقالية بعد ثورة يناير، وقصة «جنسية والدته» وتشويه الرجل، واتهامه بالكذب، والتضليل على الناس.

وكان الشيخ من قلائل الإسلاميين الذين لم يثقوا بوزير الدفاع، وقت حكم الدكتور «مرسي» الفريق أول «عبد الفتاح السيسي»، وقال عنه الشيخ حازم في مايو (أيار) 2013 بأنه ممثل عاطفي، بعد الخطاب الذي ألقاه السيسي في جامعة المستقبل، ولم يرد على تصريحات بعض قادة الكونجرس الأمريكي الذين قالوا إن الجيش هم حلفاؤهم الموثوقون في مصر.

ومن قبلها هاجم الشيخ حازم المجلس العسكري، واتهمه بأنه لم يسلم السلطة للمدنيين، وذلك بعد مرور 6 أشهر علي ثورة يناير، كما وعد المجلس العسكري عندما تنحى مبارك ونقل له السلطة، وبعد حادثة سحل وتعرية الفتاة في ميدان التحرير هاجم المجلس العسكري، وقال: بيننا وبين المجلس العسكري دماء وأعراض، وكان من الداعمين بقوة لمليونية المطلب الواحد يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، والتي تطورت لأحداث «محمد محمود» الأولى، وكانت الفاضحة للمجلس العسكري، وكشفت عن الوجه القبيح للسلطة الحاكمة في مصر وقتها، ومعاداتها للثورة والثوار، وكانت حركته ـ حازمون – من المشاركين في الاعتصام أمام وزارة الدفاع في مايو (أيار) 2012 فيما يعرف بأحداث ومذبحة العباسية.

التاريخ مليء بهذه النماذج التي تعرضت للتنكيل من أجل وطنها، وأحيانًا التنكيل من بني جلدتها، والأقسى من ذلك أنه لم يُسمع لنصائحهم، ولم يوضع في الاعتبار، ولو بنسبة 1%، أن يكون بعض كلامهم صحيحًا، هذه القامات التي لديها قدرة على استشراف المستقبل، بناء على معطيات واقعية وقراءات حقيقية، وليست قابلة للانخداع ببيانات مسجعة، أو كلمات منمقة هي الأقدر سياسيًا على قيادة البلاد في اللحظات المتقلبة سريعة التغيير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد