“كلمة إسلام تَعني “السلام”، وكلمة مسلم تَعني “مَن يُسلّم نفسه لله” ولكن الصحافة تجعلنا نبدو أشبه بالكارهين أو الحَقودين”

محمد علي كلاي

 

يَصعب على مَن عاش فترة من حياته في بعض الدول الغربية، تحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا، ألا “يتعثّر” في أحدهم ممّن يحمل آرائًا مناهضة للإسلام، وقد يدعو للدهشة معرفة أن بعض هؤلاء الأشخاص المعادين للإسلام يأتون من خلفية دينية إسلامية – على الأرجح متشدّدة – جعلتهم يكرهون كل ما له علاقة بالدين الإسلامي من قريب أو بعيد، واصمين إياه بـ “الدين العنيف” أو “الذي يحضّ على العنف والكراهية” وغيرها من السمات السلبية التي يلصقونها بالدين الإسلامي والمستقاة أغلبها من الصور النمطية الذهنية عن المسلمين ذوي الميول المنحرفة التي تضخّمها وسائل الإعلام المختلفة أو ربط الإرهاب والعنف على يد بعض الجماعات المتطرّفة مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بالديانة الإسلامية، لمجرّد أن أعضاء تلك التنظيمات يدّعون كونهم مسلمين!

وقبل أيام قليلة ماضية، انتشر كالنار في الهشيم مقاطع فيديو تُبرز ما يُشبه المناظرة التلفزيونية على برنامج شبكة HBO الأمريكية Real Time with Bill Maher بين مقدّم البرنامج والكوميدي الساخر بيل ماهر وضيفه المؤلّف سام هاريس من جهة، والممثّل الأمريكي بن أفليك والصحفي بجريدة نيويورك تايمز نيكولاس كريستوف من جهة أخرى.

تبنّت جبهة بيل ماهر وسام هاريس الهجوم على “الإسلام” الذي يبعث على الكراهية والعنف في حين حاول كل من بن أفليك ونيكولاس كريستوف الدفاع عن الإسلام بوصفه ديانة لا تَحض على العنف وإنما قلّة ممّن يَرون أنفسهم مسلمين هم السبب وراء تلك الصورة السلبية عن الإسلام وتأجيج تلك الحرب الدينية التي لازالت مشتعلة في بعض الدول الغربية حتى الآن.

خلال تلك المناظرة التلفزيونية، أعرب هاريس مؤلّف كتاب “نهاية الإيمان” والمُنتمي لما يُعرفون باسم “الملحدون الجدد” عن آرائه بكل وضوح؛ فهو يَرى أن الإسلام ليس ديانة سلام كما يَدعي البعض، وسبق أن أعلن صراحة في عام 2004 بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حرب مع الإرهاب وإنما في حرب مع الإسلام. ويَرى هاريس أن لا شيء اسمه “إسلاموفوبيا” أو الخوف من الإسلام، وهناك دائمًا لَبس بين ذلك المصطلح الأخير ومحاولة النقد الموضوعي للإسلام، على حد تعبيره، كما أن الإسلام بوجه عام ما هو إلا أصل كافة الأفكار والمعتقدات السيئة!

ويعضّد ماهر آراء هاريس السابقة؛ حيث يَرى أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتعامل “كعصابات المافيا”، مضيفًا “سوف يتم قتلك إذا قلت الكلام الخطأ أو قمت برسم اللوحة الخطأ أو حتى تأليف الكتاب الخطأ”.

ماهر الذي طالما انتقد الأديان علانية بقوله: “الديانة ما هي بالنسبة لي إلا نفاقًا لا أحتاجه بين الرجل وربه”، والذي يَرى أن الإسلام يختلف عن باقي الديانات الأخرى في أنه الدين الوحيد الذي يطالب بموت هؤلاء الذين يتجرأون على نقده، صرّح في تلك المناظرة التلفزيونية قائلًا: “المصريون الذين يعدّون داخل حدود العالم الإسلامي، 90 بالمئة منهم يعتقدون بأن الموت هو التصرّف الملائم لترك أحدهم للدين”.

ومن جهة أخرى، وَصف أفليك أقوال هاريس وماهر بالـ “عنصرية” و”المقزّزة”، وتساءل: “ماذا عن أكثر من مليار مسلم غير متطرّف، والذين لا يضربون نساءهم ويريدون فقط الذهاب إلى المدرسة وأكل السندوتشات والصلاة خمس مرات في اليوم؟” واستطرد أفليك موجهًا حديثه إلى هاريس: “وما الحل الذي تود اقتراحه علينا؟ هل تريد منا أن ندين الإسلام؟ لقد قتلنا مسلمون أكثر بكثير مما قتلوا؟” ويضيف متهكمًا “وبالرغم من هذا لا نجد من يديننا بهذه الجرائم لأنها تعكس حقيقة ما نؤمن به، لقد قمنا بها بالصدفة لهذا اجتحنا العراق وأفغانستان”.

هل العَيب في الإسلام حقًا؟

بادئ ذي بدء، بوصفنا مسلمين ممّن نَزلت عليهم الآية القرآنية “اقرأ” بوصفها أوّل الذكر الحكيم لتَدعو إلى القراءة والتدبّر والتمعّن في الأشياء، كان لزامًا علينا أن نقرأ ما بين سطور تلك المناظرة التلفزيونية الهامة، عوضًا عن التهليل لما قاله أفليك دفاعًا عن سماحة الإسلام أو التنديد بما ادعاه ماهر وهاريس في معرض هجومهما على الديانة الإسلامية، لأن ذلك التيار الفكري الأخير يعتنقه العديد من الأشخاص ليس فقط في العالم الغربي، بل في العالم الإسلامي أيضًا ولكن يخاف البعض التصريح به جهرة خشية الاعتقال على أقل تقدير أو الموت على الأغلب.

نيكولاس كريستوف الذي لم يتسنّ له الإعراب عن آرائه بحرية في تلك المناظرة، قام بكتابة مقال بنيويورك تايمز عنها بعد ذلك بعنوان “تعدّدية الإسلام”، حاول فيها إرسال رسالة مفادها أن الإسلام تاريخيًا لم يكن غير متسامح أو عنيفًا كما رفع من قيمة ومكانة المرأة في أول الأمر، وحتى وقت قريب في القرن العشرين، لم يتم تصوير الإسلام على أنه ديانة تعشق إراقة الدماء، بل كانت أوروبا الشيوعية والنازية والمسيحية وكذا آسيا الملحدة والهندوسية والبوذية هي التي ارتكبت مذابح عديدة.

وأضاف كريستوف أن العالم الإسلامي حاليًا يعاني من ويلات التعصّب وعدم التسامح والاضطهاد؛ فالعديد من الأناس البربريين عديمي الرحمة يستخدمون إيمانهم ذريعة لارتكاب مذابح وأعمال شنيعة، “فمؤخّرًا جرى قطع رأس أحد العاملين البريطانيين في مجال المساعدات الخيرية والذي أفنى عمره للحفاظ على أرواح المسلمين”، ويَرى كريستوف أن العالم الإسلامي متعدّد ومتشعّب؛ فعلى الرغم من أن “أربعة من كل خمسة أفغانستانيين يفضّلون تطبيق عقوبة الموت على المرتدّين، ولكن أغلب المسلمين يرونها جنونًا. في إندونيسيا، أكثر بلد به مسلمون في العالم، 16 بالمئة فقط من سكانه المسلمين يفضّلون تطبيق تلك العقوبة”، وفقًا للمسح الاستقصائي الذي قامت به مؤسّسةResearch Center Pew. وقام كريستوف كذلك بتعديد الأعمال الوحشية التي ارتكبتها الأديان الأخرى، ورغم ذلك يتم وَصم الديانة الإسلامية وحدها بالعنف والكراهية!

وفي مقالة رأي أخرى لـ “رضا أصلان” بنيويورك تايمز تحت عنوان “بيل ماهر ليس الوحيد الذي أساء فهم الدين”، يتماس أصلان مع مفهوم كريستوف المتعلّق بتعدّدية وتشعب المسلمين أنفسهم؛ حيث لا يجب فصل الدين عن عوامل أخرى مثل الثقافة والعرقية والجنسية والنوع وغيرها؛ “فالممارسات الثقافية لمسلم سعودي الجنسية فيما يتعلّق بدور المرأة في المجتمع، لا يتعلق بشكل كبير بدور مسلم آخر في مجتمع أكثر علمانية مثل المجتمع التركي أو الأندونيسي، تمامًا مثلما هناك اختلاف بين بوذي تيبتي يعيش في المنفى في الهند وبين الرهبان البوذيون المسلّحون الذين يلاحقون الأقلية المسلمة المعروفة باسم روهينغيا بميانمار، وهو يتعلّق في الأساس بالثقافات السياسية لهذه البلاد ولا علاقة لها بالديانة البوذية نفسها”.

ويَذهب أصلان إلى القول أنه على الرغم من أن النساء ببعض الدول المسلمة لا تحظى بالحقوق نفسها التي يتمتّع بها الرجال، ولكن هذه الحقيقة لا يمكن وحدها أن تجعلنا نتسرّع في إصدار أحكام تعميمية بأن المجتمع الإسلامي أكثر ذكورية من المسيحي أو اليهودي؛ لأنه بكل بساطة هناك بعض البلاد ذات الأغلبية المسلمة قد انتخبت نساءً على رأس دولتهم بينما في الولايات المتحدة الأمريكية لازال الجدل دائرًا حول ما إذا كان المجتمع مؤهّلًا لاختيار رئيسة للبلاد أم لا!

ابحث عن الاحصاءات والدراسات!

المناظرة التلفزيونية سابقة الذكر، استقت العديد من “حقائقها” حول الإسلام والعالم الإسلامي والمسلمين أنفسهم من إحصاءات ومسوح استقصائية ودراسات موثوق في صحتها بشكل كبير.

أبرز هذه المسوح الاستقصائية هي تلك التي قام بها مركز أبحاث Pew الأمريكي في عام 2013، عبر إجراء مسح استقصائي على 38.000 مسلمًا في 39 بلدًا لمحاولة استخلاص توضيح عن الرأي العام المسلم العالمي حول كل شي تقريبًا، بدءًا من الشريعة الإسلامية وصولًا إلى دور المرأة في المجتمع، كما استطلعت المؤسسة ذاتها آراء المسلمين حول ثلاث ممارسات بعينها: جرائم القتل بدافع الشرف، ورجم الزناة وموت المرتدّين.

كشفت المسوح الاستقصائية المتعلقة بجرائم القتل بدافع الشرف أن 14 من أصل 23 دولة أُجري المسح عليها، نصف من قام بإجراء المسح يرون أن تلك الجرائم التي يقوم بها الذكور عادة من بين أفراد الأسرة الواحدة انتقامًا لشرف إحدى الإناث بسبب ممارسات جنسية بعيدًا عن إطار الزواج، لا يمكن تبريرها عندما يكون المتهم فيها امرأة. الغريب أن المسلمين في تلك المجتمعات عادة ما يسوقون تبريرات لهذه الجرائم التي تمسّ الشرف بقتلهم للنساء، لا سيما في الشرق الأوسط، ولكن هناك العديد من الاختلافات بين الدول المسلمة بعضها البعض.

وبالمثل، القتل رجمًا للزناة يدافع عنه الأغلبية العظمى من المسلمين في باكستان وأفغانستان وفلسطين، ولكن أغلبية أقل تدعم هذه الممارسات في مصر والعراق وماليزيا، بينما معظم المسلمون في بلاد أوروبا الشرقية يعارضون رجم الزناة.

أما عن موت المرتدّين، فأغلبية من ست دول مسلمة تدعم هذه الممارسة، ولكن أغلب المسلمون في أوروبا الشرقية يعارضونها. ويعني هذا عدم وجود ما صرّح به ماهر وهاريس بشأن “إسلام عالمي” يتّفق عليه كافة المسلمون في ربوع الأرض المختلفة، ولكن هذه المسوح الاستقصائية أثبتت عكس هذا.

وفي شأن متصل، أشار “فريد زكريا” بمقالته بجريدة “واشنطن بوست” تحت عنوان “دعونا نكون صرحاء، الإسلام يعاني من مشكلة حاليًا”، إلى أنه وفقًا لمؤسّسة Pew الاستقصائية نفسها فإن أكثر 10 تنظيمات وجماعات قامت بتنفيذ هجمات إرهابية، سبع منها تتعلّق بمسلمين. وفي البلاد العشر الأوائل التي تقع فيها هجمات إرهابية، سبع منها بها أغلبية مسلمة. ومن ضمن البلاد الـ 24 التي تتصدّر قائمة أكثر البلاد التي تقوم حكوماتها بتطبيق إجراءات تعسّفية حول حرية ممارسة الأديان، هناك 19 دولة بها أغلبية مسلمة.

ويعضّد زكريا المفهوم السابق بقوله: “كم عدد المظاهرات الضخمة التي تم تنظيمها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العالم العربي؟”.

وعلى الرغم من تلك الإحصاءات والدراسات، فإن زكريا يستشهد بقول “زاكاري كارابيل” الذي ألف كتاب: “السلام عليك: 14 قرنًا من الصراع والتعاون بين المسلمين والمسيحيين واليهود”، والذي أكّد على أنه “إذا ما تم استبعاد الـ 70 عامًا الأخيرة أو ما شابه، فإن العالم الإسلامي في مجمله كان أكثر تسامحًا تجاه الأقليات في العالم المسيحي. وهذا السبب وراء تواجد أكثر من مليون يهودي كانوا يعيشون في العالم العربي حتى مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، منهم 200.000 في العراق وحدها”.

كلمة أخيرة

في الختام، كل تلك الآراء التعصّبية والإحصاءات المتباينة تؤكّد على أن المشكلة ليست في جوهر الديانة الإسلامية وإنما في بعض الأناس المنتسبين للدين زورًا وبهتانًا وليس الحل فيما يزعمه هاريس وماهر وغيرهما من “الملحدين الجُدد” الذين يرون أنه على المسلمين “معرفة أن دينهم أساس كل الشرور، ويجب عليهم عدم الأخذ به على محمل الجد”! فمثل تلك الأعمال الشنيعة كانت ترتكب باسم المسيحية قبل قرون عدة إبان الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش وقتل الساحرات، ولم يكن أحدهم يخرج بقوله إن المسيحية أساس الشرور وقتذاك ويجب مراجعتها جملة وتفصيلًا أو عدم أخذها على محمل الجدّ!

ويُمكن القول إن الصورة النمطية التي ساقها العديد من الباحثين والعلماء عن الإسلام والمسلمين كانت معظمها تَصف الشرقي في العموم والمسلم خاصة بافتقاده للعقل ورجاحته؛ فهو يفتقد إلى القدرة على التفكّر وتدبّر الأمور، مع تصويره على أنه كسول: أتذكرون تلك الصورة المتكررة عن المسلم في أفلام هوليوود على أنه “شيخ ثري” كسول ومتراخ؟ وفي البعض الآخر من تلك الأفلام، نرى المسلم والعربي يتقمّص دور “الشرير” أو “العدو غير الجدير بالثقة” الذي يستحق القتل في النهاية!

وبعيدًا عن تلك الصور الذهنية النمطية عند بعض مؤسّسات الإعلام الغربي بغرض محاولة صُنع أخبار أو إعلام يشدّ القارئ أو المتفرّج أو المستمع، مثلما حاول ماهر وهاريس السير على النهج ذاته لاستقطاب مزيد من المشاهدين، هناك على الجانب الآخر بعض الكُتاب والممثّلين أمثال كريستوف وأفليك يحاولون الابتعاد عن تلك الصورة النمطية المغلوطة لإحداث فارق.

ويا ليت إعلامنا العربي المصون يعي هذا الدَرس جيدًا، لأن أساليبه لا تختلف عن أساليب ماهر وهاريس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد