على مدى الأربع سنوات الأخيرة كنت أجاهد نفسي أن أكون منصفا، وألا أتسرع في الحكم على السيدة الوزيرة نورية بن غبريط وزيرة التربية الوطنية في الجزائر، وكان يبدو لي أن معظم من ركب قطار النقد لقرارات السيدة الوزيرة ربما يكون متسرعا وغير منصف، وأن الدافع من وراء ذلك ربما مصالح شخصية أو دوافع سياسية مشبوهة، أو حتى أنهم أشخاص ناقمون وعدوانيون لا يحبون أو ليس من مصلحتهم تطوير القطاع. ولكن مع مرور الأيام تبين لي أنني قد أكون أنا المتسرع حين اتهمت هؤلاء ووقفت في صف الوزيرة ليس دفاعا عنها وعن قراراتها طبعا، ولكن من باب أن السيدة الوزيرة جديدة في القطاع، ولا بد من إعطائها المزيد من الوقت، خاصة أن بعض قراراتها وطريقة عملها على غرار تسييرها لقضية بكالوريا 2016، جعلت منها «امرأة حديدية» في نظر البعض!

وعلى كل حال لازلت أدعي الإنصاف في تعاملي مع هذا الموضوع الذي أسال الكثير من الحبر، وأطلق العنان للكثير من الأصوات في مختلف وسائل الإعلام، ومنابر التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المتنفس الوحيد لكثير من الناقدين أو الناقمين على الوضع الحالي الذي يتخبط فيه القطاع.

في السبع سنوات الأخيرة التي تمثل خبرتي المهنية في مجال التعليم وبالتالي مدة انتسابي لهذا القطاع الحساس في الجزائر كما في غيرها من بلدان العالم، كنت شاهدا على تعاقب ثلاث وزراء: الوزير المعمر أبو بكر بن بوزيد والوزير السابق عبد اللطيف بابا أحمد والوزيرة الحالية السيدة بن غبريط، وقد تميزت فترة تكليف بن غبريط بالوزارة عن سابقيها بكثرة الأحداث التي شغلت الساحة الإعلامية والرأي العام عموما.

بدءًا باسم الوزيرة وما أشيع عن أصولها اليهودية ثم بقراراتها «الغريبة» ثم تسريب مواضيع بكالوريا 2016، وصولا إلى ما حملته عملية الإصلاحات التربوية من «فضائح» على حد تعبير الكثيرين على غرار إدراج اسم دولة إسرائيل بدل فلسطين في كتاب الجغرافيا وكذا الدعوة إلى اعتماد العامية لغة للتدريس بدل اللغة العربية الفصحى، ثم اتهام الوزيرة بمحاولة فرنسة القطاع خاصة مع انتشار خبر لقاء الوزيرة «المشبوه» مع السفير السابق ورئيس المخابرات الخارجية الفرنسية. أما القطرة التي أفاضت الكأس فكانت حذف البسملة من «بعض» الكتب المدرسية كما أسلفنا في المقال السابق.

إن الحسنات يذهبن السيئات.. ولكن!

أمام كل هذه الأحداث وتضارب المواقف بين مطبل لقرارات الوزيرة ومعارض لها جملة وتفصيلا؛ كان هنا تيار هو الأضعف بين التيارين السابقين – وهو الذي تبنيته بداية – يحاول دعم الوزيرة والدفاع عن بعض قراراتها بالدعوة إلى النقد البناء وترك الوزيرة تعمل أملا في تحقيق الإصلاحات المرجوة والنهوض بمستوى القطاع المتدني.

لقد كان من الممكن لهذا التيار أن تكون له الغلبة من قبل ومن بعد لو أضافت الوزيرة «حسنات» لبعض حسناتها الأخرى مثل تسييرها «المثالي» لمسابقات توظيف الأساتذة، ولملف تسريب مواضيع بكالوريا 2016، ونجاحها في «امتصاص غضب النقابات» وتحقيق عام دراسي دون إضرابات وهو إنجاز لم يتحقق منذ مدة! لقد كان لهذه الحسنات أن تغطي سيئات الوزيرة المزعومة لو أنها أضافت لها حسنات أخرى ولكن…

الاستقلال منحة فرنسية حسب إصلاحات بن غبريط!

آخر ما حملته إصلاحات بن غبريط «الكارثية» زعمها بأن الاستقلال الذي تنعم به الجزائر اليوم ما هو إلا هبة فرنسية – كما في كتاب التربية المدنية للسنة الأولى متوسط في درس الديمقراطية – تجسد الروح الديمقراطية المسالمة التي كانت تتميز بها الدولة الفرنسية، حيث تفضلت هذه الأخيرة بتخيير الجزائريين – بكل ديمقراطية – بين الاستقلال عن فرنسا وبين البقاء تحت الحكم الفرنسي عن طريق ما يسمى بـ«استفتاء تقرير المصير».

لازلنا ولازال جيل اليوم والغد وسيبقى والحمد لله يؤمن تمام الإيمان أن هذا الاستقلال والحرية التي ننعم بها اليوم هو بفضل الله وحده، ثم بفضل الرجال المخلصين الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم وبأنفس ما يملكون من أجل الجزائر، أما أن نلبس فرنسا ثوب الدولة المسالمة التي وهبتنا الاستقلال بكل ديمقراطية ونتناسى جرائمها البشعة تجاه المستضعفين والأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، ونختصر جهاد وتضحيات الأبطال – بما في ذلك أكثر من مليون ونصف ممن نحسبهم عند الله من الشهداء – في ورقة استفتاء فذلك لعمري الخيانة العظمى التي ما بعدها خيانة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد