ندعوكم لحوار شامل.. فأخرجوا لنا شجعانكم

تعقّدت الأزمة في الجزائر سياسيًا ودستوريًا، وغابت الحلول، فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر على بدء الحراك، والشارع الجزائري لم يرض حتى الآن بحزمة المطالب التي تحققت، فإلغاء العهدة الخامسة وإستقالة الرئيس ومحاكمة صنّاع القرار، وتأجيل الانتخابات، لم تشفع لا للحكومة ولا لقيادة الجيش في إخماد الغضب، فإصرار الشعب على تغيير وجوه النظام أو بالأحرى تنحيته مع تمسك القيادة العسكرية ورئيس الدولة بالدستور والالتزام بمواده تفاديًا للفراغ وما ينجر عنه من فوضى، عقّد من المشكلة، كما أن أطياف المعارضة عجزت هي الأخرى في كسب ثقة الشعب، خصوصًا مع فتح ملفات الفساد والتي طالت مسؤولين سامين في الدولة ومست حتى رؤوس بعض الأحزاب.

حقيقة أنّ هاته الفترة من أصعب الفترات في تاريخ الجزائر الحديث، كون أنّنا نشهد احتدام صراع ما بين شعب وحكومته يصعب التكّهن بنهايته، فقد ملّ الشعب من السياسات المتعاقبة بنفس الوجوه، فاقدا بذلك ثقته فيها إطلاقًا، صحيح أن المطلب الأول تمثل في تطبيق المادة 102 من الدستور، وهو ما ضمنه الجيش بتنحّي الرئيس، لكن «يتنّحاو ڨاع»، يعني الدوس على الدستور والدخول في نفق مظلم، فما الحّل لهاته الأزمة؟

لطالما نادى نائب وزير الدفاع قائد الأركان مرارًا وتكرارًا بضرورة إجراء الانتخابات في وقتها أي بتاريخ 4 يوليو (تموز)، مؤكدّا بأنه الحّل الأنسب، وهو ما دعا إليه رئيس الدولة أيضًا في عدّة مناسبات، غير أن رفض بعض الأحزاب الترّشح وانسحاب أخرى في الدقائق الأخيرة، وغياب مرشحي النخبة، وضغط الشارع عجّل بإلغاء الانتخابات وتأجيلها إلى وقت لاحق.

إنّ إعلان المجلس الدستوري بتاريخ 2 يناير (كانون الثاني) استحالة إجراء الانتخابات الرئاسية في التاريخ المحدد لها قانونيًا، أدى إلى استمرار السيد عبد القادر بن صالح على رأس الدولة وتمديد ولايته وهو المرفوض شعبيًا، فالدستور أقّر بأنّ وظيفة رئيس الدولة هي تنظيم انتخاب رئيس الجمهورية، فمن خلال خطابه الأخير لمسنا إصراره وتمسكه بالحلول الدستورية، والتي تعتبر أكثر منطقية، زد إلى ذلك استحداثه لسلطة مستقلة لتحضير الانتخابات وإجرائها لإعطائها ثوب الشفافية، كما دعا إلى حوار شامل تشارك فيه جميع الأطياف السياسية وشرائح المجتمع لإيجاد حلّ توافقي يرضي الجميع، حقيقة لم نعهد يومًا بأن تتنازل السلطة لشعبها بهذا القدر، فقد حان الأوان للالتفاف بجدّية حول مبادرة الرئيس.

ما ينقص حراك الشارع هو تأطيره من طرف النخبة والتي تمثله وتفاوض باسمه، وتشارك في ورشات الحوار الوطني، إلى جانب ذلك تقديم مرشح توافقي، نحن الآن نعيش في أبهى صور الديمقراطية، فمواد 7،8،102 من الدستور تقّر بأن الشعب هو مصدر السلطة، فما المشكل إذن؟ هل المشكل في الشعب أم في السلطة؟ فوفقًا لنهج ديمقراطي واستنادًا على أسس دستورية أسمى، فإن مبادرات السلطة الحالية كلها تصبّ في صالح الوطن والمواطن.

هناك تباين في الأهداف المعلنة والخفية، فقد نتج عن سلسلة المحاكمات العسكرية والمدنية في حق المتورطين في قضايا تمسّ بأمن الدولة وفي قضايا فساد مالي، انقسامات وحدوث شرخ في المطالب، إلى جانب إثارة صراع الهويّة من بعض الأطراف والتي استغلت الوضع الحرج للبلاد ودسّت سموم أفكارها في أوساط المتظاهرين، وذلك برفع شعارات ورايات تحرّض على الانفصال.

مما لا شك فيه أن طرح مثل هاته الأفكار قد تعصف بوحدة الشعب، حيث أصبحنا نرى على مواقع التواصل الاجتماعي تراشقًا بالكلام والسخرية والسبّ والشتم وتبادل الاتهامات، ووصل الأمر إلى التخوين والعمالة مع فرنسا تارة ومع الإمارات تارة أخرى، فبرز من جديد مصطلح الزواف إلى الواجهة.

إن السبيل إلى حوار وطني شامل دون الخروج عن سكّة الخيار الدستوري، لهو الحل الأمثل في مثل هاته الحالة، فالبلد مجروح بأبنائه، فمن ملفات فساد مسؤوليه التي أنهكته إلى تعنت شعبه وعدم رضاه بسلطتيه المدنية والعسكرية، إذ أنّ استمرار خروج الموطنين في كل جمعة مطالبين برحيل الباءات دون الاتفاق على البديل، يزيد من أمد الأزمة، ويؤثر بالسلب على استقرار البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، فعلى الحراك أن يجمع شمله من جديد، وأن يختار ممثليه من النخبة الشرفاء والنزهاء، فالطريق ما زالت شاقّة لتأسيس جمهورية ثانية، بدستور وقوانين جديدة، تمنح مزيدًا من الحريّة والديمقراطية للشباب، بصفته اللبنة الأساسية في صناعة مجد هذا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد