بن سلمان.. عاث في البلد الأمين

شهدت حِقبة عروج الدولة العُثمانيّة العليّة، المُترامية الأطراف قُرابة 600 عام في العالم العربي، وإرَب كبرى من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي إفريقيا، صِراعاتٍ على العرش بين أفراد العائلة العُثمانيّة من أبناء السُلطان محمد الفاتح بعد وفاته، التي تركت الشقيقين أسيري سِجال وحرب لم تُحسم بينهما لفترة طويلة، إلى أن رسم الأخ الأصغر جِم نهاية الخِلاف بمقلته داخل محبسه، بعدما اقتيد أسيرًا من قبل المسيحيين، عقِب اختراقه للأراضي المملوكية في مصر والشام خلال إحدى حملاته على أخيه الأكبر بايزيد، والتي لم يُكتب له الانتصار فيها.

التنازع على عرش السُلطة العثمانيّة لم ينتهي بقتل الابن الأصغر للسلطان الفاتح، بل إنّها خِصلةٌ تتوارثها الأجيال فيما بينها، حيث امتد حُكم السلطان بايزيد لـ31 عامًا، اتسعت خلالها رُقعة الدولة العثمانيّة وظَفَرت بنصر في مواقع عديدة، وحان الوقت لرحيل الابن الأكبر الذي وهن بدنُه لتجاوزه الستين عامًا، تاركًا لأبنائه ولايات الدولة العثمانية، ومتنازلًا عن العرش لخلَفه الأكبر أحمد بايزيد، ومُبقِيًا ولاية طرابزون لابنه سليم بايزيد، الذي سيُبصر من بعد وفاة والده فترة تنتعش فيها الخِلافة العثمانيّة.

بينما ينظر الأب إلى ابنه سليم بعين ترى فيه بأس جده الفاتح وعُنفوان بايزيد مع أخيه جِم المتمرد عليه، حتى أثبت سليم ما رآه والده في عينيه، بإعلانه العِصيان عليه لتخاذله عن مقاومة الصفويين وخطرهم الكبير على السلطنة العثمانيّة. ودخل سليم على إثر ذلك إلى إسطنبول، بدعم من بعض قادة الجند الإنكشارية، مُلْزِمًا أباه بالتخلِّي عن العرش له، وليس لأخيه الأكبر أحمد، وهنا دبّت نيران الفُرْقة بين الشقيقين، وبدأت فصول قصيرة من المُحاربة والإعراض.

ضاقت الأرض بأحمد الذي أعرضت الدولة المملوكيّة عن حمايته من أخيه، إلى أن تقابل جيشا القاطع وأحمد في بورصا، وهُزم واعتُقل وأُعدم لاحقًا. وتُورد بعض المصادر التاريخية أنّ سليمًا قد قام بالخلاص من أخيه بيديه، ودسّ السمِّ لوالده، والقضاء على من تبقّى من أقرانه وأثرهم من البنين، حتى يضمن السّدة العثمانيّة له ولابنه سليمان من بعده، كونه عازمًا وشرهًا للتوسع العثماني في مصر وبعض مناطق اليمن، وضمّ الأماكن المقدّسة في الحِجاز مثل: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وتنال الدولة العثمانيّة شرف الزّعامة الدينيّة خلال عصره.

سِمة التّهافت العُثماني على عرش السلْطنة والسيادة، والتي يُسوِّغها الحفاظ على الجسد العربي مُندملًا غير  ممزّقًا، يُقابلها اليوم نزاع الأسرة الحاكمة داخل المملكة العربيّة السعوديّة، بدوافع تتجرد منها الركائز الإسلاميّة وتتناغم مع النّزعة الوصوليّة للعرش، والمتمثّلة في آل سعود، ويُعينُهم العلماء من رجال الدين؛ لتحديد التقاليد الدينيّة التي يرتئيَها آل سعود وتطبيقها، بما لا ينْسجم مع أهداف الشريعة الإسلامية في بناء دولة تتسع لكافة الأطياف، ولا تحتكرُها جماعة لنبذ أخرى، حيث تواكب بلاد الحرمين نهضة ورؤية جديدة تُحررها من قيود الصّرامة، وتنقلُها إلى جانب الدول العربيّة التي سبقتها إلى الانفتاح على الثقافات الغربيّة.

ونمَت بِذرة التغيير في أرضها إبّان اختيار الأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد وبديلًا عن الأمير محمد بن نايف، حيث قدّم بن سلمان تعريفًا جديدًا للاتفاق بين السلطة والعلماء، الذين لا يُسمح لهم بالاحتفاظ بأي قدر من السلطة أو الهيمنة على المجتمع؛ بل تستمدها من النظام الحاكم، إضافة إلى انحصار دورها على إعطاء الشرعيّة والدعم اللازم له، فمنهم من أطاع وتَدجَّن وفقًا للسرديّات المُهيمنة التي تتحدث عن خطيئة الخروج على وليّ الأمر، ومنهم من أعرض ونأى، وناصحًا وُلاة الأمر بوجوب العُدول عن الإجراءات المُحرّفة لهُوية المملكة السعودية التي لم يعهدها العالم العربي والإسلامي من قبل، حيث يُنظر إلى أنها منْبِت الإسلام وحِصنه المتين، التي إنْ خارت وضّلت عن الطريق المستقيم، اعوجَّت الأقوام من بعدها.

إنْ صحّ لابن سلمان المَقام نحو كلّ مَن تُراوده نفسُه المساس بعرش المملكة من بعدِ والده، لحدَّثهم قائلًا: «أتبتغون السلطة قبل أن آذن لكم، إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة»، فهو يرى العرش لا يزدان إلا به، ولا يصلح لغيره من ذويه، وسمِعنا عن سطوة ابن سلمان في الحكم وما تناقلته وسائل إعلام غربية قبل أيام، عن حملة اعتقالات طالت عددًا من الأمراء البارزين في السعوديّة بتهمة الخيانة، وسط تكتم ملكي وإعلامي مثير، وذكرت أنّ من بينهم أحمد بن عبد العزيز، الشقيق الأصغر للعاهل السعودي، وولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف، والأمير نواف بن نايف، حيث اختلفت الروايات التي تُفسر دافع الاعتقال، فمنها من دحض فرضيّة الانقلاب التي تُبرّر الاعتقال.

وما يتضح من خلال سياق المشهد السياسي الحالي في السعوديّة، أنّ ولي العهد أراد التحذير من مغَبَّة أي معارضة لتسلّمه قيادة البلاد، ما يُمهّد طريقه إلى العرش قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وعقِب تزايد الشكوك في حتمية فوز الرئيس الأبيض مرة أخرى، والذي يراه الغطاء المُحكم لكل جُنَحه وأفعاله التي يرتكبها ليضمن بقاءه، وهو ما بدا جليًّا في قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي عام 2018، وفي التسبّب بقارعة كبرى يعيشها اليمن منذ خمس سنوات وما زال، حتى سقط فيها نحو 7000 آلاف شخص، وتُرك 14 مليون شخص يواجهون خطر الحتف جوعًا؛ نتيجة نقص الامدادات الطبية والمواد الغذائيّة، فضلًا عن اعتقاله لرموز المعارضة الدينيّة من تيار الصحوة الإسلامية، والظروف غير الآدمية والمتنافيّة مع قوانين الهيئات الحقوقيّة الدوليّة، التي أفضت إلى عزلِهم الأبدي عن العالم، وملاقاة مصيرهم المحتوم؛ إثر تدهور حالتهم الصحيّة داخل محْبسهم.

المُسببات التي آلت باعتقال الأمراء النّافذين في المملكة السعوديّة وظروف احتجازهم داخل فنادق وقاعات ملَكية مرفّهين ومُنعمين، وبين المُعارضين للسلطان من أبناء التيارات الإسلاميّة أو الناشطين السياسيين، والكيفيّة التي اقتادوهم بها إلى السجن، بالرغم من الحالة الصحية، التي تكاد تنعدم عند بعضهم أو تفاقمت باعتقالهم، تُصيغ سياسة منْشأها التسلط وممارسة السطوة ضد الإنسان الذي لا ينتمي للأسرة الحاكمة، ويَتذمر ويتعنّت من قرارات ولي العهد الجديد، ولا يسير كما يسير السائرون في ركْب العولمة والانفتاح والرؤية المستقبليّة، التي تتماشى مع الإسلام الوسطي لا المتشدد أو المتصوّف.

انحراف القوة السياسية الحاكمة في السعودية شكّل حلقة وصل مع الأنظمة الغربيّة، وجعلها تُنافس دولة الإمارات العربيّة المتحدة على صدارة الدول الخليجيّة في التعاون الغربي، وطريقتها في جلب استثمارات من الأنشطة السياحية وغيرها.

ومع تصاعد وتيرة الإصابة بفيروس «كورونا» في الصين وانتقاله إلى الوطن العربيّة، تأثرت مبيعات شركة «أرامكو» النفطيّة إلى الحد الذي هبطت فيه أسهمها إلى أقل من سعر طرحها؛ نتيجة اضطراب أصاب الأسواق الإقليمية والعالمية، وتراجُع الطلب العالمي على النفط خاصة من الصين، واضعًا البلد الأمين أمام ثلاث جبهات مفتوحة بقيادة الشاب محمد بن سلمان، الذي بدأ بإزالة الصبغة الدينيّة عن المجتمع السعودي، بما يُحقق على حدّ قوله طموحات الشباب السعودي، وتحويل اقتصاد بلاده من الاتكالية على البترول إلى اقتصاد دولة يعتمد ريعها على الاستثمار، وفرض حصار وقطيعة رباعيّة على الجارة الثريّة بالنفط، بذرائع واتهامات شتّى نفتها قطر رسميًّا. وما فَتِئ الأمير الشاب عن مناكفة المخالفين له من داخل وخارج المملكة السعوديّة، مُستعينًا بالجَهامة في البناء دون الدماثة التي تقود إلى الإصلاح والأخذ بالنصائح للابتعاد عن الاِزْوِرَار، وأنّ بلادًا تُبنى بأسْرِ رَبَابنتها من العلماء ورجال الدين وأصحاب الرأي، لن يستقيم حالها وتسير قيد أُنملة إلى الأمام، وإن سارت، فهل يحين زلزالها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد